وأنا أتجوّل صدفة على «يوتيوب» وقعت على «بودكاست» رمضاني تضمّن حملة شعواء على التقنية والذكاء الاصطناعي وعالم «الروبوت» وربطها بالتفسّخ الأخلاقي، مستدلاً على ذلك بمثاليْن اثنين، الأول عمليّ، إذ يتحدّث عن تسبب التقنية وتطوّرها بانتشار البطالة وسرقة عمل الإنسان، أما الاستدلال الثاني فهو اجتماعي، حيث انتشرت الزواجات الفاشلة بسبب بدئها من تطبيقات الإنترنت وثقافة السوشال ميديا، ومن ثمّ يعرّج على دور وسائل التواصل الاجتماعي مثل «إكس» و«فيسبوك» و«إنستغرام» في حدوث التشتت الذهني لدى الجيل الحالي مما يصعّب نجاحهم في تعليمهم المدرسي.
والحقّ أنَّ علاقة الإنسان بالتقنية كانت على طول الخطّ مضطربة وغير متوازنة وهي أعمق من هذا التسطيح. فمنذ أوائل القرن العشرين والتقنية تفرض راهنيتها للفهم والتحليل، إذ تحوّلت تدريجياً بامتياز إلى وسيط بين الإنسان وأشيائه وأفكاره. يقترح الأستاذ عادل حدجامي الباحث الأكاديمي وأستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط، تسمية مواقع التواصل بمواقع «الاتصال» ويرى آخرون أنَّها مواقع وهم وانفصال.
نعم؛ إن تلك التقنيات الساحرة الآسرة بحمولتها وشظاياها وكل ثورتها وترميزاتها المبثوثة تحتاج منا إلى فحص وفهم بغية لجم هذا الطوفان والتعرف عليه ومساءلته.
معضلة فهم التقنية تعيدنا إلى قرنٍ مضى مستذكرين ما كتبه مارتن هيدغر في مقالته عام 1953 تحت عنوان «مسألة التقنية».
أراد هيدغر من كتابتها البحث في «ماهية التقنية»، والبحث في علاقاتها. وإذا كان نيتشه قد افتتح نقد «عهد الآلات» ورمى بسهامه أعباء «ثقافة الآلة»، التي تجعل من الحشود «آلة نمطية واحدة يذوب في دوارها الفرد، وتحوله إلى أداة استعمال لتحقيق بغية واحدة»، فإن هيدغر من بعده حاول دراسة علاقة «التقنية بالعالم» ليخصص جزءاً من بحوثه المتعددة لهذا الغرض، حتى في كتابه الأساسي «الوجود والزمن» (1927) نراه يطرح ومضات عن استفهامه، ما جعل لوك فيري يجعل من مناقشة هيدغر لماهية التقنية «الخيط الناظم لمناقشة هيدغر للحداثة».
لقد كانت موجة التقنية في بواكيرها حينما وصفها بـ«ميتافيزقيا العصر»، وقد تتابعت التحليلات من بعد ذلك لدى هابرماس في درسه سنة 1965 وماركيوز، ومدرسة فرانكفورت في المرحلة الثانية من تطوّرها، لقد أثبتت التقنية أنها حدث ومجيء يتطلب كل الاهتمام والفهم.
يتواطأ الناس الآن على الشكوى من رسائل الآخرين، ومن عبودية عيونهم ورقابهم لأجهزتهم الكفّية، حتى المتخصصون يندبون حظّهم نظير ساعاتٍ طوال يبذّرونها بالتفاهات، بدلاً من متابعة مطالعاتهم ومراجعاتهم وأبحاثهم. ولعل هذا الانتشار الكاسح يعبّر عن أزمة كبرى في العلاقة بين الإنسان ووقته وحياته، لكأن الاستسلام إلى «التطبيقات» هو إهراق لماء الحياة وإحراق لزهر العمر وتوزيع مجاني للساعات على تفاهة محضة من دون أي مردودٍ مفيد.
من ناحية نعم قد نقرأ التعلّق الشديد بهذه الوسائل بأنه انتحار بطيء يعبر عن اليأس المرير، أن تكون هذه الأجهزة الصغيرة هي البداية لأيامنا وهي النهاية، والمقياس لجودة إبداعنا عبر الثناءات المجّانية التي تطرح فيها، والمعنى من وجودنا عبر التعريفات المزيّفة التي تدبّج على طرّة الصفحة الشخصية عبر ألقابٍ لا تسمن ولا تغني من جوع. وإذا كانت القيم أساساً تعاني من اهتزازٍ وتآكل، ومن اضطرابٍ غير مسبوق.
رأى هيدغر بمكانٍ ما أن التقنية صارت كالمعول الضارب على أسس القيم، معلناً انهيارها وتفسّخها وتفتّق الاحتكاك الاجتماعي عن بوادر نهاية معنى الإنسان ووقوعه في شرك الجموع حيث التعاسة اليومية، والانهيار القيمي بالمجمل، وفقدان الشعور بالذات الإنسانية نظير عدم وجود دور علمي أو عملي يمكن أن يكون باعثاً على شعور الإنسان بفردانيته «الفريدة».
بالتأكيد ثمة حالات من الاتصال الاجتماعي تعزز من التطابق والتشابه والتشاكل والوسوسة المستمرة بين شتى الشرائح للضخّ في موضوعاتٍ صغيرة، والاصطفاف الطفولي باسم الانتماء المعيّن لهذا التيار أو ذاك، أو السجال اللفظي غير العلمي أو المنهجي الذي يثري المجال العام.
ثمة موجة من التقنية لم تتدرّب على التواضع والمعرفة، والرغبة في التواصل الحيوي المنتج مع الآخر بقدر ما أتاحت الفرصة لجمع من الجهلة لعرض بضاعتهم المزجاة على منصّاتها، وكانت بالفعل رافعة لكثيرٍ من الفقاعات في المجالات العلمية والإعلامية تحديداً، حتى اكتشفت قلة من العقلاء كثيراً من الزّيف، ثمة حملات مهمة كشفت عن رسائل أكاديمية ودرجاتٍ علمية مزوّرة، أو من جامعاتٍ وهمية لبعض نجوم تلك التطبيقات.
وقصة التطرف والإرهاب المرتبطة بها باتت دولية، إذ سرعان ما هبّ الاتحاد الأوروبي ومعه الولايات المتحدة للحديث حول مواقع التواصل الاجتماعي، ونتائج السيلان المعلوماتي المتوفر فيها والحرية المستغلّة من جماعات العنف، وعلى رأسها تنظيما «القاعدة» و«داعش»، وهذه تحتاج إلى تشريعات وأنظمة قانونية صارمة تلجم هذا الاستغلال المخيف.
الخلاصة؛ أن التقنيّة بكل فروعها ليست خيراً محضاً ولا هي بالشرّ المطلق؛ وإنما هي أداة فعّالة مثل أي ابتكار، غير أن نتائج تطبيقات التدوين المتعددة تبيّن مستويات تربية الأفراد ومدى انعكاس تعليمهم على انتخاب كلماتهم وخطاباتهم، في السابق لا تُكتشف حالات النقص التربوي أو الاضطراب الذهني إلا من خلال اللقاءات والمناسبات والنقاش المباشر، الآن محضت التقنية كل فردٍ وجعلته مكشوفاً أمام الآخرين مع كل حرفٍ أو مقولةٍ أو صورة، حيث تتبدّى المستويات التربوية وتتكشّف الأخطاء العلمية... ولله في خلقه شؤون.
