يذوي لبنان ببطء، وينازع في صمت. لا يشكو، لأن الشكوى قد تسبب له تهمة الخيانة. فعليه أن يبدو قويًا مهما كان شاحبًا وعليلاً ومتضوّرًا من الجوع والألم والاضطهاد والنكران. وأفدح ما في حالة العذاب، أنه ممنوع من الأنين، وأمرّ ما فيها أن التعذيب موكل، كالعادة، إلى أبنائه. كل شيء معلّق على مشنقة في ساحة الشهداء. الرئاسة معلّقة، والدولة معلّقة، والاقتصاد معلّق، والصحافة معلّقة، والأمل معلّق، وثمة بابان مفتوحان بلا حدود: الفساد والهجرة.
يعوِّدون اللبنانيين، منذ زمن، على غياب لبنان. يخدّرونهم بالأمصال المزيفة. يعدونهم بالانفراج، ولا يقدمون لهم سوى الهذب والنفاق والعين البلقاء. يزداد السياسيون غنى فاحشًا، وصفاقة فاحشة، ورقاعة مفحّشة. ويزداد اللبنانيون خوفًا وفقرًا ويأسًا وهجرة. ثمة فضائح في جميع بلدان العالم، لكن الفضائح التي تُكشف في لبنان، وهي جزء ضئيل مما لا يُسمح بكشفه، لا مثيل لها في أي مكان من العالم مهما ازداد فيه توحش البشر، وتعوّدهم غياب القانون، وسقوط الضمير، وفساد السياسيين ضميرًا وعقلاً وقلوبًا. ما تسرب إلى الآن من كارثة الاتجار بالبشر في مدينة جونية، التي تبعد عن العاصمة 16 كلم، لم نقرأ عنه في أي من الغابات البشرية المنتشرة في العالم الثالث. يقول وزير الصحة، وائل أبو فاعور، إن هذه العصابة الدموية تعمل منذ 7 سنوات على الأقل، ويروي أن الطبيب المكلّف بإجهاض الفتيات الحاملات بسبب الاغتصاب، قد أجرى 200 عملية على الأقل. ويعني هذا ثلاثة أشياء لا مفر منها: إما أن الأمن لم يعرف بما حدث، وهذه مجزرة، وإما أنه كان يعرف ويتواطأ مع العصابة، وهذه مجزرتان، وإما أنه كان مرغمًا على التغطية بسبب نفوذ سياسي خفي، وهذه ثلاث مجازر.
أحب أن أوضح للقراء العرب الذين لا يتابعون تفاصيل اليوميات المتعبة في لبنان، أن وسط هذا التلوث الجاثوم الكالح، لم تخلُ الدولة من وجوه تدعو إلى الاعتزاز، ولا خلت السياسة من ذوي المروءات الوطنية والإنسانية، ولا يزال اللبناني يشعر ببعض الطمأنينة بوجود شجعان مثل نهاد المشنوق ووائل أبو فاعور ورشيد درباس، أو زعامات مثل وليد جنبلاط، الذي يدلّ من بعيد على منابع الفجور ومواقع الاهتراء.
طبعًا، هناك أسماء أخرى لست أنا من يحدّدها أو يعيّنها. لكن للأسف، لائحة الشرف الوطني والفروسية الإنسانية ليست طويلة في لبنان. أقول هذا وأنا حزين كمواطن. لا أكاد أستطيع التعرّف إلى بلد عرفته يدعى منارة من منارات الشرق، ويشتهر بقامات سياسييه والنزعة الإنسانية في سلوكه العام. وأفظع ما في الأمر، أن لا أمل على الإطلاق في وجود هذه الطبقة الطاغية، وكل ما نتوقعه غدًا، فضيحة أخرى وكارثة أشد وحشيّة.
TT
الغابة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
