في عالم تمزقه المخاوف من النقص واختناقات الإمداد، من النفط إلى الرقائق الإلكترونية مروراً بالعمالة الماهرة، وفي ظل قلق متزايد من العجز المالي الحكومي، يبدو الفائض مشكلة نتمنَّى جميعاً أن تكون لدينا. فأفكار توماس مالتوس، رجل الدين البريطاني الذي رأى أنَّ النموَّ السكانيَّ سيؤدي حتماً إلى الندرة، ما زالت تثير الخوف في نفوسنا، أما فكرة أن لدينا أكثر مما ينبغي فلا تثير أي قلق من هذا النوع.
غير أن الفكرة القائلة بوجود فائض في كل شيء، ولا سيما في رأس المال، لا ينبغي استبعادها بسهولة. بل يمكن تصوير جميع المشكلات الاقتصادية التي يعيشها العالم حالياً، والتي تسبّب هذا القدر من السخط، على أنها نتيجة لهذا الفائض. هذه، على الأقل، هي الحجة التي يسوقها مارك تشاندلر، المحلل المخضرم في أسواق العملات الأجنبية، الذي يعمل هذه الأيام لدى شركة «بانوكبيرن غلوبال فوركس»، في كتابه الجديد «الفائض: تاريخ الإفراط ونهاية الهيمنة الاقتصادية»، وهو كتاب طموح يستحق أن يحظى بقراءة واسعة.
ويتمثّل اهتمام تشاندلر الأول في إعادة إحياء أفكار المفكر والاقتصادي تشارلز كونانت، الذي عاش أواخر القرن التاسع عشر. فلم يكن في وسع أحد أن يكون أكثر تأثيراً منه في حياته؛ إذ التمس الرؤساء ويليام ماكينلي وثيودور روزفلت وويليام هوارد تافت جميعاً مشورتَه في السياسة الاقتصادية الدولية والإصلاحات النقدية. وفي الفلبين، وهي إحدى دول كثيرة قدَّم إليها المشورة في إطار حملته للدبلوماسية الاقتصادية، عُرفت العملة المعدنية الجديدة، التي طُرحت بديلاً عن الدولارات الفضية الإسبانية القديمة، باسم «الكونانتات». وخلال تلك الحقبة الحاسمة عند مطلع القرن الماضي، حين أفسح العصر المذهب الطريق أمام العصر التقدمي وحلَّت أميركا محل بريطانيا العظمى بصفتها قوة اقتصادية مهيمنة، أدَّى كونانت دوراً لا يقل أهمية عن الدور الذي سيؤديه جون ماينارد كينز وميلتون فريدمان في الأجيال اللاحقة. وعلى خلاف هذَين العملاقَين، فقد طواه النسيان إلى حد بعيد. ومع أنَّ العالم يبدو وكأنَّه يتلمس نموذجاً ليس هو الاقتصاد المختلط المرتبط بكينز وحقبة ما بعد الحرب، ولا نموذج الليبرالية الاقتصادية المطلقة المستلهم من فريدمان الذي ظلَّ في صعود منذ ثمانينات القرن الماضي، فمن المنطقي أن نعودَ إلى كونانت الآن. لُخِّصت أهمُّ نقاط كونانت في أنَّ الرأسمالية قد تسفر عن تراكم مفرط في المدخرات، لا في السلع فحسب، وأنَّه حين يتزاحم رأس مال أكثر من اللازم على فرص أقل من اللازم، فقد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار الاقتصاد. وهذه بالضبط النقطة التي أثارها كيفين وارش، الرئيس الجديد لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، أمام مؤتمر لـ«مجموعة العشرين» في أغسطس (آب). ويرى تشاندلر نفسه أنَّه «يواصل حواراً بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، لكنَّه خرج من دائرة الاهتمام».
ولهذا السبب، شرع كونانت في العمل مستشاراً لحكومات أجنبية، محاولاً دفعها إلى جعل بلدانها آمنة للاستثمار الأميركي. فقد أقلقه أن الولايات المتحدة تعاني ما سمَّاه «المنافسة المدمرة»، وهي مشكلة رأى أنَّ الرأسمالية عاجزة عن حلها من خلال عملية البقاء للأصلح الداروينية التي استحوذت على اهتمام كثير من المفكرين في ذلك الوقت. وكان يعتقد أنَّ الأصلح لن يبقى بالضرورة، لأنَّ الشركات تحتاج إلى تكاليف ثابتة باهظة لتصنع منتجاتها، وهي قادرة أيضاً على اقتراض مبالغ كبيرة، وهو ما «قلب النموذج الكلاسيكي رأساً على عقب»، على حد تعبير تشاندلر. لم يعد صحيحاً أنَّ الشركات التي تصمد أمام الركود الاقتصادي أو فترة فرط العرض ستكون الأكثر كفاءة، أو الأكثر ابتكاراً، أو الأقدر على تلبية مطالب المستهلكين. بل ستكون الشركات الأكثر امتلاكاً للموارد المالية الوفيرة والأقدر على استيعاب الخسائر هي التي تملك فرص الاستمرار في المنافسة. وبعد مرور قرن على أفكار كونانت، تبدو «المنافسة المدمرة» التي تحدث عنها أشبه كثيراً بما يسميه الصينيون اليوم «الانكفاء التنافسي». فمكافحة الإنتاج الضخم غير المربح أولوية لدى بكين، لكن إلى أن تتمكن من كبح الفائض الهائل في السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وغيرها، فإنَّ أفضل حلولها هو إغراق بقية العالم به، ما ينشر المشكلات على نطاق أوسع.
وتحاول الصين التعامل مع هذه المسألة بوصفها مشكلة اقتصادية دورية يمكن ضبطها بسياسة اقتصادية صارمة بما يكفي. أما حجة كونانت، كما يرويها تشاندلر، فهي أنها ظاهرة تراكمية ستواصل التصاعد تدريجياً. وما لم يوجد عامل تصحيحي داخل نظام السوق، فلا يمكن كبحها ببساطة.
ومع أن التشابه مع استنتاجات كونانت أوضح في حالة الصين، لأنه يتعلق بسلع مُصنّعة، فإن الفائض مشكلة بالقدر نفسه من الضخامة في العالم الغربي. وهذا أمر لا يحظى بالتقدير الكافي. ويقول تشاندلر: «أعتقد أنَّ كثيراً من خبراء الاقتصاد ينظرون إلى الفائض بوصفه حالة خاصة، سواء في الصين أو قطاع السيارات أو صناعة الصلب. أما أنا فأرى أنه يقدم نظرية عامة أو تفسيراً عاماً».
ويشير تشاندلر إلى أن فائض رأس المال الباحث عن مجال للاستثمار يمكن عدّه محركا رئيسياً للانهيار الكبير عام 1929، بل للأزمة المالية العالمية التي وقعت بعد 8 عقود. وقد أسهمت أفكار كونانت في دفع اتجاهات بالغة الأهمية يبدو الآن أنها تناقض بعضها بعضاً. فقد كانت سياسة «الصفقة الجديدة» ونماذج «دول الرفاه» الكينزية في حقبة ما بعد الحرب وسائل لاستيعاب رأس المال الفائض، وهو ما شجع عليه كونانت. وكذلك كان تنامي الإمبريالية الأميركية في أميركا اللاتينية، الذي أيده كونانت بصورة مباشرة في مقال بعنوان «الأساس الاقتصادي للإمبريالية»، وهو موقف قد يُفسر، ولو جزئياً، سبب سقوط الرجل من دائرة الاهتمام سقوطاً تاماً.
وربما كان الأمر أشد إثارة للقلق أن نموذج فائض رأس المال -بوصفه القوة الاقتصادية المحركة الحاسمة- ينسجم انسجاماً بديعاً مع التاريخ العام للقرن العشرين، إذ أتاح الدمار الناجم عن الحربَين العالميتَين انطلاق دورات نمو جديدة، ثم أطلقت وفرة الأموال المتجددة بعد عام 1945 العنان للنزعة الاستهلاكية الأميركية، في نموذج يريد كثيرون اليوم محاكاته بوصفه وسيلة لتحقيق النمو.
