جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

«المركزي» الليبي والأرتال المسلحة

استمع إلى المقالة

بعد سنتين وواحد وعشرين يوماً (1 أكتوبر «تشرين الأول» 2024 - 22 أكتوبر 2026)، خرج محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، من البوابة الخلفية للمصرف إثر عودته من مهمة خارجية؛ حيث مُنِع من دخول مكتبه ورافقته مجموعة مسلحة حتى بيته. وقبل وصوله، كان المحافظ الجديد المكلف فوزي أبو خزام، قد بلغ مقر المصرف في طرابلس برتل مسلح ومرفوقاً بأقاربه، حسبما تداولت وسائل إعلام، معلناً بداية حلقة أخرى من مسلسل عائلي جديد. الوصول شبَّهه بعض المحللين بالاقتحام العسكري. ومن جهة أخرى أثار الموكب العائلي موجة سخط شعبي في مواقع التواصل الاجتماعي، مما اضطر جهاز الرقابة الإدارية إلى التدخل، حسبما أُفيد به، باستدعاء أقارب المحافظ المكلف الذين رافقوه في الرتل المسلح، وظهروا معه في صور وسائل الإعلام والتحقيق معهم وسحب جوازات سفرهم.

الأمر دُبِّر بليل. كان المحافظ السابق ناجي عيسى قد تقدم، في 9 أغسطس (آب) الماضي، باستقالة من نسختين. وُجهت الأولى إلى رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والأخرى إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، مطالباً بإعفائه من منصبه لأسباب وصفها بالـ«حساسة» من دون الإفصاح عنها. وقوبلت الاستقالة وقتها برفض فوري من المجلس الأعلى وبعض اللجان البرلمانية حرصاً على الاستقرار المالي، ليعود عيسى إلى ممارسة مهامه مشترطاً تنفيذ تفاهمات إصلاحية وتطبيق «الاتفاق التنموي الموحد».

وفي 22 أكتوبر 2026، وبشكل مفاجئ، قررت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة برئاسة الصالحين عبد النبي، قبول الاستقالة المودعة لديها منذ أغسطس مبدئياً، تمهيداً لعرضها على المجلس. وصرح ناجي عيسى حينها بأنه لم يقدم استقالة جديدة، بل إن البرلمان فعّل استقالته السابقة نتيجة ضغوط وخلافات محتدمة حول اعتراضه على زيادة الإنفاق الحكومي بالمليارات. المحافظ السابق أخفق في الإيفاء بوعوده للشعب باستعادة عافية الدينار الليبي، الأمر الذي أفضى إلى وصول سعر الدولار، حسبما يتداول، إلى نحو 10 دنانير في السوق الموازية.

المحافظ المكلف فوزي أبو خزام لم يحصل بعد على موافقة المجلسين (النواب والأعلى) رسمياً، بل نال تكليفاً مؤقتاً من هيئة رئاسة مجلس النواب لإدارة المصرف، فيما تضاربت التقارير بشأن موقف المجلس الأعلى للدولة الذي ورد أنه رفض القرار. واستناداً إلى تقارير إعلامية لم يتسنَّ التحقق منها، أوقف مصرف الاحتياط الفيدرالي الأميركي حساب مصرف ليبيا المركزي لديه لحين تعيين محافظ بشكل رسمي. ورغم صدور بيان توضيحي من المركزي يصف الإجراء بالأمر العادي عند تعيين إدارة جديدة، رد خبراء ماليون واقتصاديون بأن «الفيدرالي الأميركي» لن يعيد تفعيل الحساب ما لم يتم التوافق القانوني على تسمية المحافظ رسمياً.

يمكن تلخيص المشهد في ثلاث نقاط أساسية حددها خبراء القانون والمال والاقتصاد:

الأولى، أن الأزمة شرعية قانونية. فما يهدد الاستقرار المالي في ليبيا ليس شخص المحافظ المكلف، بل آلية تكليفه. غياب الموافقة الرسمية المشتركة من مجلسي النواب والأعلى يدفع المؤسسات الدولية لتجميد التعامل مع المصرف، مما يوقف الاعتمادات وحركة الأموال.

الثانية، أن السوق الموازية المتحكمة بسعر الدولار مقابل الدينار تحركها المخاوف. وصول سعر الدولار، حسبما يتداول، إلى 10 دنانير في الأيام القليلة الماضية هو رد فعل مباشر لحالة الغموض الأمني والسياسي (اقتحام المصرف وتجميد الحسابات)، حيث تقود المضاربة والهلع الأسعار أكثر من المؤشرات الاقتصادية الفعلية.

الثالثة، أن جذور الخلاف تتمثل في (الإنفاق الحكومي): يكمن الصراع الحقيقي في رغبة الأطراف السياسية -في شرق البلاد وغربها- في الإنفاق الموسع، مقابل محاولات إدارة المصرف السابقة وضع كوابح للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي، وغياب هذا التوازن سيُبقي الضغط مستمراً على الدينار. وتغيير محافظ بآخر لن يفضي إلى حل الأزمة.