جيمس ستافريديس
قائد عسكري سابق لحلف «الناتو» وعميد كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس... بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

أميركا تفاجئ الصين بأسلحة في الفضاء

استمع إلى المقالة

في تصريح مفاجئ هذا الأسبوع، كشف وزير القوات الجوية تروي إي. مينك أنَّ الولايات المتحدة تمتلك أسلحة في الفضاء. وقال: «نحن نرفع درجة الجاهزية في مواجهة التهديدات القائمة، وتمتلك الولايات المتحدة أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار قادرة على الدفاع عن القوة المشتركة في مواجهة أي عمل عدائي من الخصوم».

ولم تكن المفاجأة في مضمون التصريح بقدر ما كانت في قرار الإدلاء به علناً. فقد افترض المحللون العسكريون منذ أمد طويل أن الولايات المتحدة تمتلك قدراتٍ متطورةً لمواجهة الأنشطة المعادية في الفضاء، غير أن وزارة الدفاع لم تعترف قَطُّ بنشر أسلحة في المدار.

ويعتبر مينك ضابطاً مخضرماً في القوات الجوية، وهو يحمل درجة الدكتوراه في هندسة الطيران، كما أنه خبير في نظم الاتصالات والاستخبارات الفضائية. ولم يُفصح عن أية تفاصيل تتعلق بطبيعة الأسلحة الموجودة في المدار. وكان من المستحيل أن تمر تصريحاته مرور الكرام؛ فقد جاءت على هامش مؤتمر القوات الجوية والفضائية والإلكترونية، وهو تجمع سنوي رفيع المستوى يضم قادة عسكريين ومقاولي الدفاع في ولاية ماريلاند. فلماذا رأى أن هذا هو التوقيت المناسب للتخلي عن الغموض الذي دأبت عليه واشنطن إزاء الأسلحة المنشورة في المدار؟

أولاً، وكما قال مينك، قد يُشكّل الحديث عن الأسلحة الفضائية رادعاً في مواجهة الصين وروسيا. وكلتا الدولتين تسير على الأرجح قُدُماً في تطوير منظومات قادرة على تهديد أهم أسراب الأقمار الاصطناعية الأميركية، التي توفر خدمات الملاحة الدقيقة والاتصالات الواضحة وجمع الاستخبارات عالية الجودة.

وتختبر موسكو وبكين أو تنشر أقماراً اصطناعية قابلة للمناورة، وأشعة ليزر عالية الطاقة، وصواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية. والأكثر إثارة للقلق أنَّ موسكو قد تعمل على تطوير سلاح نووي فضائي قادر على توليد نبضات كهرومغناطيسية تُعطّل الأقمار الاصطناعية الأميركية أو تُدمّرها على نطاق واسع.

وفي مواجهة هذا التهديد المتصاعد، فإن الإشارة العلنية إلى قدرة الولايات المتحدة على الرد أو حماية أقمارها الاصطناعية ستُشكّل عاملاً رادعاً فعّالاً.

والسبب الثاني وراء كشف الوزير عن هذه المعلومات هو تعزيز الزخم وراء مشروع «القبة الذهبية»؛ تلك المبادرة التي تحمل توقيع الرئيس دونالد ترمب لإنشاء درع صاروخية تحمي الأراضي الأميركية بأسرها. وهو مشروع بالغ الضخامة والتعقيد، يستدعي إلى الذاكرة مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أطلقها رونالد ريغان، المعروفة بـ«حرب النجوم»، والتي لم تُنفَّذ قَطُّ.

كما أبرز مينك ما أحرزه الجيش من تقدم في منظومات الصواريخ الاعتراضية الفضائية التي ستُشكّل جزءاً من منظومة الدفاع الصاروخي الوطنية. وقد يُسهم الاعتراف العلني بامتلاك الولايات المتحدة أسلحة في المدار، في تصوير مشروع «القبة الذهبية» باعتباره أكثر واقعية وقابلية للتحقق. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ نظراً لتكلفته الباهظة؛ إذ قدّر مكتب الميزانية التابع للكونغرس تكلفة منظومة الدفاع الصاروخي الوطنية مثل «القبة الذهبية» بنحو 1.2 تريليون دولار على مدى عقدين، في حين رفعت مراكز أبحاث مثل «معهد أميركان إنتربرايز» تقديراتها إلى ما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لأكثر المنظومات طموحاً.

أما السبب الثالث، فيتمثل في أن تأسيس قوة الفضاء الأميركية وإعادة إنشاء القيادة الفضائية الأميركية خلال الولاية الأولى لترمب، قد أضفيا زخماً على العمليات الفضائية بصفة عامة. فقوة الفضاء، وهي الفرع السادس للقوات المسلحة الأميركية، تضطلع بتنظيم وتدريب وتجهيز الكوادر البشرية للعمليات الفضائية العسكرية. غير أنَّها بأعدادها المحدودة البالغة 15 ألف عنصر في الخدمة الفعلية، لا تحظى دائماً بالجدية والاهتمام اللذين تستحقهما.

وكانت القيادة الفضائية قد أُسّست عام 1985، قبل أن تُدمج عام 2002 ضمن القيادة الاستراتيجية الأميركية المشرفة على الترسانة النووية. وقد أعادت إدارة ترمب إحياءَها بوصفها إحدى القيادات العسكرية الموحدة الإحدى عشرة، لتُشكّل مركزاً عملياتياً لقوة الفضاء الجديدة. وعلى نحو مثير للجدل ومناقض للتوقعات في آن، تُصنَّف القيادة الفضائية كقيادة جغرافية، بمنطقة مسؤولية «فلكية» تمتد من ارتفاع 62 ميلاً فوق سطح الأرض - عند خط كارمان - وصولاً إلى القمر وما وراءه.

وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كنت أعملُ تحت إمرة هيئة الأركان المشتركة، حضرتُ نقاشات حول ما إذا كان ينبغي تصنيف القيادة الفضائية قيادة جغرافية أم وظيفية مثل القيادة الاستراتيجية. وقال بعضهم: «الفضاء ليس مكاناً كسطح الأرض، بل هو نطاق كالفضاء السيبراني أو المجال الجوي». وأتذكر أن أحد الجنرالات أجاب بصورة شاعرية بأن منطقة المسؤولية ينبغي أن تمتد «من السماوات فوق الأرض إلى ما لا نهاية»، وتلك منطقة مسؤولية بالغة الاتساع.

وبإقراره العلني بامتلاك «البنتاغون» أسلحة في المدار، من دون الكشف عن نطاقها أو قدراتها، أعطى مينك خصوم الولايات المتحدة إنذاراً صريحاً؛ إذ إن إنهاء سنوات من الغموض الاستراتيجي بشأن الفضاء لن يؤدي إلا إلى تعزيز الردع على سطح الأرض.

* قائد عسكري سابق لحلف «الناتو»

وعميد كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية

بجامعة تافتس

*بالاتفاق مع «بلومبرغ»