د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

الحالة الطبيعية للشرق الأوسط

استمع إلى المقالة

كان المثال دائماً، وأنا أراقب أحداث الشرق الأوسط، والعالم العربي، هو متابعة الدول الأوروبية، وبعض الدول الآسيوية المثالية، مثل اليابان، حيث عرفت الأولى حروباً عالمية، والثانية أفاقت بسرعة بعد ضربها بالقنابل الذرية. السؤال لم يكن؛ كيف جرى التغلب على الهزيمة، وأحياناً التدمير الهائل؟ وإنما كيف تم تجاوزها لكي لا تتكرر الحرب مرة أخرى؟! الثابت أنه أثناء فترة الحرب والصراع كان يوجد من يفكر فيما سوف يحدث بعدها؛ وهو ما حدث في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وفي آسيا بعد الحرب الفيتنامية التي كانت شاملة لجنوب شرقي آسيا بأكمله.

آخر التجارب الكبرى جاءت بعد انتهاء الحرب الباردة، حينما انهار الاتحاد السوفياتي، وتتابع دخول الجمهوريات المنشقة إلى الاتحاد الأوروبي. كان ذلك هو الوقت الذي جرت فيه بعثات مؤسسة الأهرام الصحافية لكي تنظر في عملية التحول الهائلة التي تجري.

فاجأني الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس، عندما قال إن أعظم إنجازات بلاده هي أنها أصبحت «دولة أوروبية طبيعية». لم يكن ما يتحدث عنه هو ارتفاع متوسط دخل الفرد، أو ارتفاع العمر المتوقع عند الميلاد، أو عدد المبتكرات الإنتاجية التي أضافتها جمهورية التشيك إلى الصناعة في العالم، حتى؛ كيف تمت عملية فصل سلوفاكيا عن الدولة (تشيكوسلوفاكيا) دون حرب أهلية؟ أو كيف انتهى الأمر بهما معاً متحدين مرة أخرى في إطار الاتحاد الأوروبي؟ فما جاء على لسان الرجل؛ كان أن بلاده أصبحت مثل كل الدول الأوروبية الأخرى ديمقراطية ومتقدمة وصناعية وحديثة، وتخضع لكل القواعد والنظم المتعلقة بالتطور والتغيير، أو دورات الانكماش والتوسع، حتى النكسات أحياناً، التي تتعرض لها الدول الرأسمالية في العموم.

وبالطبع، كنت أعرف أن ذلك لم يحدث بطريقة تطوعية كاملة، فقد كان على دولة الرجل أن تمرّ بعملية تشكيل خلال عملية اكتسابها عضوية الاتحاد الأوروبي، حيث لا تدخل أي دولة ما لم تفِ بمجموعة من القواعد والمعايير التي تم الاتفاق عليها من قبل، وتحدد قواعد الدخول والخروج من السوق، ونسب العجز في الموازنات العامة، وأساليب وأدوات فرض الضرائب والرسوم والجمارك. وكل ذلك في إطار عدد من المبادئ، لا يمكن التنازل عنها، متعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والبيئة، واقتصاد السوق، وهكذا معايير معروفة ومعلومة. مثل هذه القواعد والمعايير لم تعد أوروبية فقط، بل باتت نوعاً من الأصول العالمية للتقدم بصورة عامة، وهي أصول يمكن أن تتغير هنا أو هناك بنسب مختلفة حسب درجات التطور في الدول والمجتمعات، ولكن جوهرها يبقى واحداً لا تغيير فيه ولا تبديل.

الجوهر كان منع الحرب من الحدوث مرة أخرى، واقتلاع الأصول الفكرية للحرب والنزاع، وربما الأهم أن يكون ذلك في كل دولة من خلال «مشروع وطني»، ولكنه يكون مرتبطاً «بمشروع إقليمي» طموح. وفي أوروبا كان ذلك الذي أدّى إلى «الاتحاد الأوروبي»، وفي آسيا أدّى إلى «آسيان».

وفي الحالتين كان الجوهر اقتصادياً؛ وكان العنصر الموحد في الحالتين هو منع الحروب من الحدوث، وكان ذلك ممكناً من خلال آليات مؤسسية، وتوافقات ثقافية، ولا بأس بقدر من المنافسة التي تتسارع فيها المواهب داخل الدولة والإقليم.

لم يكن الطريق سهلاً، فسرعان ما تعرضت كلتا المنظمتين للامتحان؛ وعندما شنّت روسيا حربها ضد أوكرانيا فإن أوروبا نجحت في حصرها داخل النطاق الجغرافي؛ وكذلك فعلت «آسيان» أثناء حرب كمبوديا وتايلاند.

الشرق الأوسط والعالم العربي في قلبه لا يزال يعاني من توالي الحروب؛ ولكنهما في الوقت نفسه كشفا عن إمكانات كبرى تحتاج إلى كثير من التطوير. 12 دولة عربية لا تعرف الميليشيا ولا الحرب الأهلية، والأهم لديها مشروع وطني ناضج يقوم على تعزيز الحداثة ووجوهها الأربعة: الهوية، واختراق إقليم الدولة بمشروعات عملاقة، وتعبئة الموارد القومية البشرية والمادية، وصورة من المشاركة تقوم على الشباب الذي بات جزءاً هاماً من المسيرة مع تحرير المرأة ودفع عجلة التنمية.

قائمة العقبات ليست قليلة، ولكن كلما كانت الدول التي نجت من «الربيع العربي» المشار إليها قادرة على مواجهة ظروف الحرب الجارية فإن المشهد يشهد على أن «الدولة الوطنية» باتت هي النموذج «الطبيعي» الذي تسعى إليه دول غير ناجحة، وبعدها فإن الأمور الإقليمية تصبح محض تفاصيل.