د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

الإنجليزية قبل العربية... الاستشراق الداخلي وأزمة الهوية

استمع إلى المقالة

اللغة ليست مجردَ وسيلةٍ للتواصل، بل هي وعاءُ الهُويَّةِ الثقافية والذاكرة الجمعية، ومن خلالها تتشكَّلُ رؤيةُ الإنسان لذاتِه ولمجتمعه. ومن هذا المنطلق، لا تكمنُ المشكلةُ في تعلُّم اللغات الأجنبية، ولا في إتقان الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما. فكلُّ لغةٍ جديدةٍ تضيف إلى الإنسان نافذة أخرى على العالم، وتمكّنه من الوصول إلى معارفَ وخبراتٍ لم تكن متاحةً له. لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز اللغةُ وظيفتَها بوصفها أداة للمعرفة والتواصل، لتتحوَّل إلى معيار للحكم على قيمة الإنسان واستحقاقِه الوظيفي والاجتماعي، وإلى أداة لإعادة إنتاج التراتب الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع. وهنا تتجاوز القضية حدود اللغة لتصبح تعبيراً عن «استشراق داخلي» يعيد فيه المجتمع إنتاج تفوق الآخر، فتغدو اللغة الأجنبية رمزاً للحداثة والمكانة، بينما تُختزل اللغة الأم في صورة أدنى معرفياً واجتماعياً. وعند هذه النقطة، لا تعود القضية لغوية فحسب، بل تصبح قضية حضارية ونفسية وسياسية أيضاً لأنَّها تمس الهوية الجمعية، وتعيد تشكيل تصور المجتمع لذاته، وللمعايير التي يوزع على أساسها الاعتراف والمكانة والفرص بين أفراده.

ففي تقديري، يرتبط احتقار اللغة الأم ارتباطاً وثيقاً بما يمكن تسميته «الاستشراق الداخلي»، وهي الحالة التي لا يعود فيها «الآخر المتقدم» بحاجة إلى فرض تفوقه من الخارج لأنَّ المجتمع يبدأ بإعادة إنتاج هذا التفوق داخل وعيه ومؤسساته وعلاقاته اليومية. فتصبح اللغة الأجنبية رمزاً للعقلانية والحداثة والنجاح، بينما تُختزل اللغة الوطنية في صورة لغة محلية عاجزة، في نظر البعض، عن إنتاج المعرفة الرفيعة أو منح المكانة الاجتماعية. وبهذا المعنى، لا تصبح اللغة مجرد علاقة بين لغتين، بل تعبيراً عن اغتراب نفسي حيث تنظر الذات إلى نفسها بعيون الآخر، فتشعر بالدونية أمامه، وتراه نموذجاً مكتملاً للتقدم والتفوق.

ومع ترسخ الشعور بتفوق الآخر، قد يتحوَّل الإعجاب به إلى إحساس بالنقص. فتغدو لغةُ الآخر رمزاً للقوة والتقدم، بينما تُربط اللغة الأم بالضعف والتأخر. وعندئذ يسعى بعض الأفراد إلى اكتساب الاعتراف الاجتماعي من خلال الاقتراب من لغة الآخر ورموزه، بدلاً من التميز بالمعرفة والإنتاج. ولهذا السبب تحولت اللكنة الأجنبية في بعض البيئات إلى رأسمال رمزي ومعيار ضمني للمكانة والاستحقاق الوظيفي، رغم أنها لا تدل بذاتها على الكفاءة العلمية، بل على مستوى من التدريب والممارسة اللغوية. بل أصبح بعضهم يطمس لهجته المحلية ويتكلف اللكنة الأجنبية، لا لحاجة علمية، بل لأنها تحولت إلى جواز للمكانة والاعتراف، حتى غدا اللسان زياً اجتماعياً للهروب من وصمة النقص.

ويتجلَّى الاستشراق الداخلي والشعور بالهزيمة النفسية في أوضح صورهما حين تُلقى محاضرة باللغة الإنجليزية، رغم أنَّ المتحدثين والحضور جميعهم عرب، والموضوع المطروح محلي، ولا توجد أي ضرورة علمية تبرّر ذلك. ويتجلَّى أيضاً حين تُقحم المصطلحات الأجنبية إقحاماً استعراضياً، فتُستخدم اللغة الأجنبية لإضفاء الهيبة على المتحدث، كأنَّ الفكرة لا تكتسب قيمتها إلا إذا خرجت بلسان آخر. وكذلك الحال لدى بعض المتحدثين في القنوات الفضائية الناطقة بالعربية والموجهة إلى جمهور عربي، إذ يتكلَّفون استخدام لكنة أجنبية، ويقحمون مفرداتٍ أجنبية رغم وجود مرادفات عربية واضحة ودقيقة، فيتحوَّل الخطاب من وسيلة لشرح الفكرة إلى أداة لاستعراض المكانة الثقافية والاجتماعية. وعندئذ تتحوَّل اللغة الأجنبية من أداة لتوضيح المعرفة إلى ستار يحجب ضحالة الفكرة، ومن وسيلة للتواصل إلى أداة لصناعة مسافة رمزية بين المتحدث وجمهوره.

ولا يقتصر هذا الميل على الخطاب الأكاديمي والإعلامي، بل يمتد إلى الممارسات المؤسسية اليومية، كما يحدث حين تبدأ أنظمة الاتصال بخدمة العملاء في بعض البنوك والشركات بخيار اللغة الإنجليزية أولاً، وتضع العربية ثانياً، رغم أنَّ الغالبية الساحقة من عملائها ناطقون بالعربية. وهي ممارسة يصعب تصوُّرُها في المجتمعات المعتزة بلغاتها، حيث تتصدر اللغة الوطنية الواجهة المؤسسية، وتأتي اللغات الأخرى بعدها بوصفها خياراتٍ مساندة لا بدائل رمزية عن اللغة الأم.

ولا يقف الاستشراقُ الداخلي عند حدود اللغة، بل يمتدُّ إلى النظر بدونيَّةٍ إلى خريجي الجامعات الوطنية، ومنح خريجي الجامعات الغربية تفوقاً مسبقاً قبل فحص إنتاجهم وكفاءتهم. ورغم ما توفره تلك الجامعات الأجنبية من بيئات بحثية متقدمة، فإنَّ الانتساب إليها لا يمثل بذاته دليلاً نهائياً على التفوق المعرفي، إذ قد تتجاوز هالتُها القيمة الفعلية لبعض خريجيها، كما أنَّ القبول فيها لا يقوم بالضرورة دائماً على المؤهلات العلمية المجردة بقدر ما يتأثر بالتوصيات، وشبكات العلاقات، والخلفيات الاجتماعية، ورأس المال الثقافي والاجتماعي الذي يفتح الأبواب المغلقة للمتقدم. بل إنَّ التخرجَ في بعض أرقى جامعات العالم لم يمنع بعض خريجيها، بمن فيهم قادة دول وسياسيون بارزون، من الظهور بمستوى معرفي متواضع داخل مجتمعاتهم. فاسم الجامعة قد يعكس الفرصةَ التي حصل عليها الإنسان أكثرَ ممَّا يعكس القيمة والأثر العلمي اللذين سينتجهما لاحقاً. إذ قد تفتح التوصيات، والمكانة الاجتماعية، والقدرة المالية، وشبكات العلاقات أبواب الجامعات المرموقة، لكنها لا تصنع بالضرورة باحثاً مبدعاً أو مفكراً مستقلاً. ولهذا، يبقى المعيار الحقيقي هو الفضول المعرفي، واستقلالية التفكير، وجودة الإنتاج العلمي، وهي قيم يمكن أن تتوافر في الجامعات الوطنية كما يمكن أن تتوافر في الجامعات الأجنبية. فالجامعات، خصوصاً الأجنبية، تمنح الفرص للإنتاج والإبداع العلمي، لكنها لا تصنع بالضرورة المفكر، وقد يتخرج باحث في جامعة وطنية فيبني مشروعاً معرفياً يتجاوز أثرَ خريجين من جامعات غربية أكثر شهرة.

وفي هذا السياق، يقدّم المفكرُ المغربيُّ الراحل محمد عابد الجابري مثالاً معبراً. فقد تخرج في جامعة محمد الخامس بالرباط، لا في جامعة غربية نخبوية، ومع ذلك بنى مشروعاً فكرياً رائداً، وقدم دراسات ذات قيمة عالية في الفكر العربي، ونقد التراث، وبنية العقل، والدولة، والتاريخ، وأعاد صياغةَ أسئلة العقل والتراث والحداثة. كما أنَّ ما أنتجه، كمّاً ونوعاً وأثراً، يفوق ما أنتجته أقسامٌ أكاديميةٌ كاملة تضم أعضاء هيئة تدريس تخرَّجوا في أفضل الجامعات الغربية. والمغزى هنا ليس الانتقاص من تلك الجامعات، بل تفكيك الوهم الذي يجعل اسم الجامعة بديلاً عن قيمة الإنتاج المعرفي. فالخلل لا يكمن في الجامعات الغربية ذاتها، وإنما في تحويل مكانتها إلى معيار وحيد للاعتراف بالمعرفة. وعندئذ يعاد إنتاج الاستشراق الداخلي، إذ تصبح المعرفة معتبرةً بقدر قربها من المركز الغربي، ويتحوَّل اسم الجامعة من فضاء للتعلم إلى مصدر للشرعية، بينما لا يُعترف بالإنتاج المحلي إلا إذا نال تصديقاً خارجياً. ولا يبقى هذا المنطق محصوراً في المجال الأكاديمي، بل يمتد إلى سوق الخبرة والاستشارات الأجنبية. فقد يُمنح الخبيرُ الأجنبي قيمةً مادية ورمزية أعلى لمجرد لغته، أو مظهره، أو اسم جامعته، رغم أنَّ الخبير المحلي قد يكون أقدرَ على فهم الواقع. وهنا لا تُشترى المعرفة بقدر ما تُشترى صورة الآخر المتقدم، فيُدفع للاسم ما لا يُدفع للفكرة.

والمفارقة أنَّ هذا التراجع الرمزي للغة العربية يجري رغم ما صدر في المملكة من توجيهات ملكية وقرارات رسمية لترسيخ مكانتها، وما أُنشئ من مؤسسات في مقدمتها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية. وهذا يعني أنَّ المشكلة ليست في غياب الاعتراف الرسمي، بل في الفجوة بينه وبين ممارسات اجتماعية ومهنية لا تزال تمنح لغة الآخر مكانةً أعلى من لغة المجتمع.

صفوة القول، إنَّ أخطرَ ما ينتجه الاستشراق الداخلي هو ترسيخ الاغتراب النفسي والهزيمة النفسية: احتقار اللغة الأم، والتباهي بمحاكاة اللكنة الأجنبية، والشعور بالدونية أمام خريجي الجامعات الأجنبية، ومنح الخبير الأجنبي تفوقاً مسبقاً، وغيرها من ظواهر الاستشراق الداخلي. فالانسلاخ عن اللغة هو انسلاخ عن الذاكرة والمعنى، وحين يفقد المجتمع ثقته بلغته يعجز عن إنتاج سرديته الخاصة، ويبدأ بالنظر إلى ذاته بعيون الآخرين.

ومع ذلك، فإنَّ الاعتزاز باللغة الأم لا يعني الانغلاق، كما أنَّ تعلمَ اللغات الأجنبية والاستفادة من الجامعات والخبرات العالمية لا يمثل تهديداً للهوية. فالمطلوب أن نمتلكَ لغاتِ العالم من دون أن تمتلكَنا، وألّا نجعل اللكنة الأجنبية أو اسم الجامعة أو صفة الخبير الأجنبي معياراً تلقائياً للاستحقاق الوظيفي والاجتماعي. فاللغة الأجنبية بابٌ إلى المعرفة، أمَّا اللغة الأم فهي أساس الهوية والمعنى. ومن يحتقر لغتَه لن تمنحه لغة الآخر أو شهاداته ثقةً افتقر إليها في ذاته.