مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

ترمب مُستلهماً ابن نباتة السعدي!

استمع إلى المقالة

السياسة مهنة خطيرة، لعبة قاتلة، وفي الآن مانحة شعوراً استثنائياً بالتفوّق والقيادة، فتنتها جذبت لها خيرة العقول والنفوس الطموحة، منهم من خرج منها بسلام، إما بموتٍ حتف أنفه، أو ابتعادٍ طوعي دون خوفٍ من غائلة الانتقام، ومنهم من صرعته فرس السياسة الجموح، وألقته تحت أقدام الفيلة.

قبل أيام، ظهرت أخبارٌ عن كشف خطّة إيرانية جديدة لقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهذه ليست الأولى، كما أن نجاة ترمب من محاولات اغتيال ليست الأولى هي أيضاً بدورها، نتذكّر رصاصة القنّاص توماس ماثيو كروكس في 13 يوليو (تموز) 2024 وهو يخطبُ في الناس بمدينة (بتلر) بولاية بنسلفانيا... تلك الرصاصة التي شرمت أذن الرئيس، وكانت على بعد شعرة «حرفياً» من نثر دماغه على المنصّة!

حول جديد إيران لاغتيال ترمب، قال الرئيس الأميركي لصحيفة «نيويورك بوست» الأميركية: «كنت على قائمة استهدافهم منذ مدة طويلة. هذا هو الواقع الذي نتعامل معه... والشيء الوحيد هو أنني تركت تعليمات، إذا حدث لي أي مكروه، بأن يتم قصفهم بمستويات لم يشهدوها من قبل».

سبق لبعض أسلاف ترمب في البيت الأبيض الوقوع صرعى على يد قتَلة مختلفين، نذكر أبراهام لينكولن الذي اغتيل عام 1865 في مسرح فورد برصاص جون ويلكس بوث... ولدينا الرئيس جيمس غارفيلد الذي اغتيل1881 بيد تشارلز غيتو... والرئيس ويليام ماكينلي الذي اغتيل سنة 1901 على يد (ليون كولغوش)... وأخيراً جون كينيدي الذي اغتيل سنة 1963 في دالاس، وما زال مصرعه مصدراً للنظريات المثيرة.

بل في عهد ترمب نفسه، وفي دائرة أنصاره، كان الاغتيال الأشهر للناشط تشارلي كيرك، الشاب (31) عاماً الذي كان خطيب التيار الترمبي، كان مصرعه في 10 سبتمبر (أيلول) العام الماضي 2025 وهو يتكلّم إلى الناس... وقبل ذلك ساسة ونشطاء من يمين ويسار، مثل مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس... وغيرهما.

لكن هذه العبارة التي قالها ترمب للصحيفة الأميركية وهي: «هذا هو الواقع الذي نتعامل معه». كانت فوق يوميات السياسة ومشاغبات ترمب المعتادة، وطريقة الاستعراض والاعتداد، كان فيها قدْرٌ من التسليم بالأقدار، والتصالح مع مصاعب الحياة، ومن مصاعبها المهولة: السياسة.

تذكّرتُ أبياتاً للشاعر الرائع ابن نباتة السعدي وهو معاصرٌ لصاحبنا الضخم أبي الطيّب المُتنبّي، الذي راح هو أيضاً ضحية ألعابه السياسية صريعاً عند دير العاقول قرب بغداد، يقول ابن نباتة:

ويصطدِمُ الجمعانِ والنقع ثائرٌ فيسلم مقدامٌ ويهلكُ حائدُ

ومن لم يمت بالسيفِ ماتَ بغيرهِ تنّوعتِ الأسبابُ والداءُ واحِدُ!