لم يكن أحد يتوقع أنباء سارّة في عالم اليوم. الحقيقة أننا لم نعد نتوقع أنباء سارّة من أي مكان. لكنّ لأنباء العراق، دائماً، وقعاً آخر. باب الحروب ودار السلام. إذا جفّ النهران ظمئت العرب، وإذا فاضت ضفافهما خصبت بلدان الفيض والغيض.
هذه المرة عزفت بغداد على أوتار العرب المنسيّة؛ الفساد. تعودنا التعاطي مع هذه الآفة وكأنها تحدث في بلاد أخرى، ونحن أبرياء أنقياء. وكانت الأرقام والأسماء المتداولة عن حجم السرقات والنهب لا تحرك أحداً. والقضاء يتصرف وكأن الأمر لا يعنيه، والقانون ليس من شأنه. وكان العراق ولبنان في طليعة بلدان الفساد المعلن، أو الفاقع. وبينما ظلت أموال الدولة في العراق شبه معلنة، أقدم النظام المصرفي في لبنان على سرقة الودائع ومدّخرات الناس. وفي غياب القضاء لم تضِع الأرزاق وحدها، بل الأرواح أيضاً. وإلى الآن مضت خمس سنوات على انفجار مرفأ بيروت، من دون أن يجرؤ «العدل» على إصدار قرار اتهامي في تلك المجزرة البشرية والعمرانية والاقتصادية.
لم يسبق أن تعدّت قضية فساد حدود الهمس والتسالي. لكن هذه المرة تبدو المسألة أكثر جدية في العراق، حيث استُعيدت عناوين من نوع «لص بغداد» وسخريات «ألف ليلة وليلة». وبسبب شواهد الماضي وتجاربه، يشكك البعض في أن تصل الحملة إلى غاياتها بسبب تجذّر المخالفات والطبقات والعادات.
غير أن ما يحدث في العراق قد يكون نموذجاً يحتذى. وقد آن لنا أن نعامل الفساد على ما هو؛ أي كونه آفة كارثية ووباء يجب اجتثاثهما. أدى الفساد المزمن إلى إنهاك الدولة اللبنانية، وأفقدها الكثير من مناعتها. ولطالما اختلط الانهيار السياسي بالأخلاقي بالاجتماعي. الاتكال على التجربة العراقية.
