سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

في العراق... صالح البلد قبل أي مصلحة أخرى

استمع إلى المقالة

عاد التيار الصدري في العراق يقدم دليلاً آخر، على أنه يضع صالح الناس في بلاد الرافدين قبل أي مصلحة أخرى.

كان الدليل الأول عندما سارع يعلن دمج عناصر ذراعه العسكرية «سرايا السلام» في القوات الحكومية، وكانت خطوته في هذا الاتجاه بادرة ممتازة. فالذين سمعوا مقتدى الصدر، زعيم التيار، يتكلم قبلها عن دمج عناصر الـ«سرايا» في قوات الحكومة، وقفوا بين مصدِّق وغير مصدِّق، وآثروا أن ينتظروا ليروا ما إذا كان وعد الصدر سوف يتحقق.

وما كادت أيام تمر، حتى كانت وكالات الأنباء قد نقلت صوراً لعناصر الـ«سرايا» وهم يحتفلون بإتمام عملية الدمج، وكان المشهد موحياً مرتين: مرة لأن أحداً لم يكن يتوقع أن يأتي يوم نتابع فيه الدمج هكذا على الهواء مباشرةً، ومرة ثانية لأن عناصر الـ«سرايا» أنفسهم لم يَضيقوا مما تم، وإنما ذهبوا إلى إتمام الدمج، وهُم يبتسمون كما ظهروا في الصور المنشورة، ثم وهُم يقومون بإنزال راية التيار من فوق مقر قيادته في سامراء.

ولأن الأشياء الجيدة يمكن أن تنتقل بطريق العدوى، لا الأشياء السيئة أو الأمراض وحدها، فإن «كتائب الإمام علي» ما كادت تسمع بما قام به التيار الصدري، حتى كانت قد بادرت تصطف وراءه، وتعلن أنها ستذهب إلى ما ذهب إليه.

ولا تزال هناك بقية في الطريق ذاته، ولكن يبدو أن الجماعات التي كان عليها أن تبادر إلى اتباع ما أقدم عليه تيار الصدر و«كتائب الإمام علي» لا تزال مترددة، ومن أجل ذلك لم يجد علي الزيدي، رئيس وزراء العراق، مفراً من إعطائها مهلة لتسليم سلاحها تنتهي عند الثلاثين من سبتمبر (أيلول) المقبل، وبعدها سيكون عليها أن تقف أمام مسؤوليتها. أما الدليل الآخر الذي قدمه التيار الصدري، فكان عندما نقلت وكالات الأنباء صورة لعدد من أنصاره يتظاهرون في النجف دعماً للزيدي في وقفته الشجاعة ضد الفساد. فالرجل استهل عصره بحملة على الفساد لم يسبق أن رأى لها العراق مثيلاً، ويكفي في مقام التدليل على صواب هذا الكلام، أن يرسل حملة أمنية فجراً إلى المنطقة الخضراء في بغداد، فلا ترجع إلا وفي يديها 47 من المتهمين في فساد بغير حد. فساد أنهك العراق ولا يزال ينهكه. فساد أرهق العراقيين ولا يزال يرهقهم لأبعد الآماد.

نتابع ما يجري نشره عن الفساد في أرض العراق، فلا نفهم كيف نما الفساد إلى هذا الحد، ولا كيف ترعرع وازدهر إلى هذه الدرجة؟ إنني لا أتحدث عن كلام عابر عن الفساد، ولا عن أحاديث يتكلم بها آحاد الناس، ولكنني أستشهد بما قيل مثلاً، على لسان منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الحكومة في بغداد.

يقول حداد إن ما جرى نهبه من المال العام في العراق منذ 2003، أي منذ إسقاط نظام حكم صدام حسين على أيدي الأميركيين، يزيد على تريليوني دولار عدّاً ونقداً! فـ«يا للهول»، وفق قول يوسف بك وهبي، عندما كان يهتف على المسرح إذا ما استهول شيئاً من الأشياء.

إن تريليوني دولار تعني 2000 مليار دولار، وتعني رقم 2 وأمامه 12 صفراً، وتعني في الإجمال مالاً لا عدّ له ولا إحصاء، وتعني أن السرَّاقين في أرض العراق كانوا إذا سرقوا لم يُبقوا على شيء لبسطاء الناس يعيشون عليه!

وإذا كان مستشار رئيس الحكومة قد ذكر أن المال العام المنهوب يزيد على كذا، فالمعنى أن الرقم المذكور على لسانه رقم تقريبي لا أكثر، وأن «الرقم الحقيقي غير»، على ما يقول الإخوة في أرض الشام، وإلا، فما معنى أن يقال قبل أيام إن ميزانية البلاد تبحث عن 148 مليار دولار تائهة في دواوين الحكومة، وإن أحداً لا يعرف أين ذهب هذا المبلغ؟

ولو طاوعنا أنفسنا في ذكر الأرقام المعلنة في هذا السبيل، فلن ننتهي منها عمَّا قريب، وسوف نجد أننا أمام غابة من الأرقام ذات الدلالات المخيفة.

أهم ما في مشهد خروج عناصر من التيار الصدري للتظاهر دعماً للزيدي، أنه يمنحه ظهيراً شعبياً في مواصلة حملته على الفساد والفاسدين، لأن رئيس الحكومة لا يمكنه وحده مجابهة الفساد، وبالذات إذا كان فساداً بهذا الحجم الخرافي في أرض العراق.

بادر تيار الصدر فقدم دليلين وليس دليلاً واحداً، وفيهما معاً كان يقدم العراق وطناً لكل أبنائه على ما سواه، وليس مطلوباً من بقية الجماعات إلا أن تحذو حذو التيار الصدري، وإلا أن تقتفي أثره، لأنه أثر سوف يصل بالعراقيين إلى حيث يجب أن يكونوا بين الأمم، وإلى حيث يليق بأرض مثل أرضهم يتوفر لها كل شيء، ولا تنقصها سوى النية الخالصة.