في المدة الزمنية التي استغرقتها واشنطن لفرض قيود على النماذج الأعلى مستوى لشركة «أنثروبيك»، ثم التراجع عنها، كان وادي السيليكون يستيقظ على اسم «تشيبو».
في العام الماضي، حين التقيتُ مع تشانغ بينغ، الرئيس التنفيذي للشركة الناشئة، ومقرّها بكين، والمعروفة دولياً باسم «زي إيه آي»، كانت لا تزال مختبراً مغموراً. ما استوقفني آنذاك كان تركيزه المنصبّ على بلوغ الذكاء الاصطناعي العام، ودفاعه الصريح عن الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر في وقت كان كثيرون فيه يُقصون هذا التوجه باعتباره مفهوماً جديراً بالإعجاب لكنه يفتقر إلى نموذج أعمال قابلاً للاستدامة. والحكم في هذه المسألة لم يُقضَ فيه بعد. لكن شيئاً واحداً بات جليّاً: النماذج المفتوحة القادمة من الصين تُمثّل اليوم واحداً من أشد التهديدات الوجودية خطورة على المنظومة الأميركية للذكاء الاصطناعي.
وقد تزامن إصدار نموذج «جي إل إم 5.2»، الأكثر تطوراً في رصيد «تشيبو»، مع التدخل التنظيمي الذي بدا عشوائياً من واشنطن بشأن نموذجَي «أنثروبيك» الأعلى مستوى «فيبل 5» و«ميثوس 5». ولم يكن التوقيت ليكون أفضل من ذلك.
وفجأة، بدا الجميع وكأنهم يهاجرون إلى «جي إل إم». فقد كتب المستثمر التقني المؤثر مارك أندريسن أن كثيرً من المصادر المطلعة يصفونه بأنه أول نموذج ذكاء اصطناعي صيني يُضاهي العروض الأميركية ويتفوق عليها في أحيان كثيرة دون أي تنازلات.
وفي منشور على منصة «إكس»، كتب الرئيس التنفيذي لمنصة «كوينبيز» عن تثبيت الإنفاق في حين ينمو استخدام الرموز المبرمجة بصورة هائلة عبر الاعتماد الافتراضي على النماذج الصينية مفتوحة الأوزان مثل «جي إل إم 5.2» و«كيمي 2.7» من «مونشوت». وأضاف أحد موظفي «ميتا» و«غوغل ديب مايند» السابقين أن الأمور مع «جي إل إم 5.2» لن تكون كما كانت عليه من قبل. ولقد أدركتُ الأمر بتمامه حين راسلني شقيقي المهندس البرمجي من سان فرانسيسكو يخبرني بأنه انتقل إليه.
أن يكفّ الكثيرون عن إخفاء حماسهم، أو عن التعامل مع النماذج الصينية بوصفها غرائب تستدعي الفضول لا بدائل حقيقية، ينبغي أن يُقلق قادة الذكاء الاصطناعي الأميركيين قلقاً عميقاً.
ولا تزال عقبات حقيقية قائمة، في مقدمتها وصمة الريبة، حتى في زمن ما بات يُعرف بـ«الزخم الصيني الفائق». فقد كشف استطلاع عالمي واسع النطاق نُشر الشهر الماضي عن أنه بينما يُقرّ كثيرون بريادة الصين في الذكاء الاصطناعي، فإنها متأخرة تأخراً كبيراً على صعيد «الثقة». غير أن هذه المعادلة ذات حدَّين؛ فالنماذج مفتوحة الأوزان أقل غموضاً بطبيعتها من النظيرات الأميركية الاحتكارية؛ إذ يمكن فحصها وتعديلها واستضافتها على خوادم الشركة ذاتها أو حتى في مراكز البيانات الأميركية.
وأخبرني جيم كيلر، المصمم الأسطوري للرقائق الذي أسهم في تطوير المعالجات الأولى المستخدمة في الآيفون، خلال لقاء جمعنا، هذا الأسبوع، في طوكيو، أن شركته «تنستورنت» تحوّلت إلى «جي إل إم» و«كيمي كيه 2» للبرمجة. وقال إن الجاذبية تتخطى السعر بكثير.
وتأتي صدمة «جي إل إم» هذه في وقت باتت فيه اقتصاديات الرموز المبرمجة وفواتير الإنفاق الفلكية على الذكاء الاصطناعي تحتل أهمية توازي الأداء لدى الشركات. وهذا هو الإطار الذي ينبغي من خلاله فهم الهجمات الأخيرة على النماذج الصينية.
وليس مستغرباً أن تسعى الشركات الأميركية الراسخة إلى زرع الشك بالادعاء بممارسات «التقطير» غير المشروعة، أي تدريب الأنظمة على مخرجات نماذج أخرى. غير أن حدة هذا السخط يصعب أخذها بظاهرها. فمن البداية، يُعدّ التقطير تقنية شائعة الاستخدام في عالم الذكاء الاصطناعي، بل إن إيلون ماسك نفسه أقرّ بأن نموذج «غروك» التابع لشركته «إكس إيه آي» دُرِّب انطلاقاً من منتجات شركة «أوبن إيه آي».
وعلى نطاق أوسع، لو كانت هذه الممارسة وحدها كافية لصنع منافسين على مستوى عالمي، فلماذا لم يفعلها الآخرون جميعاً؟ ثم تبرز المفارقة الصارخة في أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة اليوم تشكو من انتهاك الملكية الفكرية، في حين بُنيت منتجاتها على الأعمال الإبداعية لملايين البشر، ودون إذن أو مقابل في أغلب الأحيان. وكل ذلك يجعل هذا السخط أمراً يصعب تبريره.
وثمة مخاوف أمنية مشروعة تتعلق بالنماذج المفتوحة، في مقدمتها سهولة إساءة استخدامها. وقد وجد بعض باحثي الأمن السيبراني أن أحدث نماذج «تشيبو» يفوق أداة «كلود كود» من «أنثروبيك» في مجال «البحث الأمني بالغ الصعوبة»، وبتكلفة لا تتجاوز سدس تكلفة «كلود كود». وقد تميل واشنطن إلى الرد بفرض قيود، وهو ما سيكون خطأ فادحاً. فهذا لن يُزيل التقنية من الوجود، وإنما سيدفعها بعيداً عن أعين الرقابة العامة. وكما كتبتُ من قبل، ضوء الشمس هو أفضل مُطهِّر.
ومن المفهوم أن يبدو الأمر مُفزعاً حين نتخيّل نموذجاً في مستوى «ميثوس» متاحاً للجميع.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
