أواصل حديثي عن رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي، وأبدأ بالتاريخ، تاريخ مصر وتونس في هذا العصر الحديث الذي نتأمل وقائعه فنرى تشابهاً يصل في بعضها إلى حد التماثل.
والتشابه طبيعي، ليس فقط بين مصر وتونس، بل بين البلاد العربية كلها. لأن الأسس التي قامت عليها هذه البلاد مشتركة إلى حد كبير. البيئة واحدة، والتاريخ جامع، واللغة، والثقافة منذ ظهر الإسلام إلى الآن، غير أن الذي نراه بين بعض البلاد العربية وبعضها الآخر يتجاوز الأصول المشتركة ويظهر حتى في التفاصيل والأطوار المتلاحقة، وهذا هو ما نجده ظاهراً بوضوح في الأقطار المتجاورة، لكننا قد نجده أيضاً بين قطر في المشرق كمصر وقطر في المغرب كتونس.
ونحن نعرف أن هذين البلدين كانا ولايتين في إمبراطورية العثمانيين خلال القرون الثلاثة التي سبقت عصر النهضة هما وغيرهما من الأقطار العربية ما عدا المغرب الأقصى. وهو مناخ مشترك كان له دون شك تأثيره في البلدين الشقيقين اللذين انفرد كل منهما بحكم ذاتي مع بقائهما ولايتين عثمانيتين. وفي هذا السياق نتذكر أيضاً حكم الفاطميين الذين قامت دولتهم في القرن العاشر الميلادي، ووضعت يدها على كل بلاد المغرب، وجعلت تونس مركزاً لها ومنطلقاً، ثم تمكنت من الاستيلاء على مصر التي جعلها المعز قاعدة لدولته وأسس القاهرة لتصبح عاصمة لهذه الدولة. وفي الأيام التي شهدت استيلاء الفاطميين على مصر أو بعدها بقليل اجتاح بنو هلال وبنو سليم أقطار المغرب كلها قادمين من مصر. وهذا أيضاً تاريخ!
وفي المناخ الثقافي الذي جمع بين مصر وتونس، وتجسد في الجامع الأزهر وجامع الزيتونة، ظهر ابن خلدون؛ نشأ في تونس في القرن الرابع عشر، وتنقل في بلاد المغرب والأندلس، وشرع في كتابة مؤلفاته، ثم رحل إلى مصر وهو في الخمسين من عمره ليلقي دروسه في الجامع الأزهر، ويُتم العمل في كتابه الشهير «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر». وبهذا الكتاب الذي كان ثمرة من أنضج الثمرات التي قدمها العرب للثقافة الإنسانية تأسس علم جديد لم يعرفه البشر من قبل، هو علم الاجتماع الذي تأثر به الغربيون في العصور الحديثة وواصلوا العمل فيه، ومن هؤلاء الفيلسوف المؤرخ الإيطالي جيوفاني فيكو، وبعده الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت.
وكما جمع ابن خلدون بين هؤلاء الفلاسفة الأوروبيين جمع بين الرجلين اللذين وضعا اللبنات الأولى فيما حققناه خلال القرنين الماضيين، وبدا كل منها شبيهاً بالآخر ومكملاً له، وهما رفاعة رافع الطهطاوي المصري، وخير الدين التونسي، وكأنهما ظهرا في هذا العصر الحديث ليواصلا الجهود المثمرة التي سبق بها ابن خلدون في القرن الرابع عشر ولم تجد في العرب من يواصلها.
ونحن نقرأ الآن مؤلفات الطهطاوي وخير الدين، ونقرأ سيرة كل منهما فنجد اهتماماً خاصاً بالتاريخ وفلسفة التاريخ، وبالمجتمع وصوره، وبما تقوم عليه الدول وتتقدم. وحول هذه القضايا يتحدث الطهطاوي في «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، كما كانت «مقدمة ابن خلدون» إحدى الروائع العربية التي سهر الطهطاوي على نشرها في مطبعة بولاق عند إنشائها. أما خير الدين فكتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال المالك» ناطق بدايةً من عنوانه بتأثير ابن خلدون.
***
وإذا كان الطهطاوي وخير الدين قد بدآ مما وصل إليه ابن خلدون في العصور التي مضت، فقد واصلا السير حتى وصلا لما قدمه الأوروبيون في العصور الحديثة. الطهطاوي جمع بين ثقافته العربية الواسعة في اللغة والفقه والأدب وبين التراث الأوربي قديمه وحديثه. وهو يحدثنا في «تخليص الإبريز» عن قراءاته فيذكر ما قرأه في الأدب، ثم ينتقل لما قرأه في الفكر الفلسفي والسياسي فيقول: «وقرأت في الحقوق الطبيعية مع معلمها كتاب برلماكي وترجمته وفهمته فهماً جيداً. وهذا الفن عن التحسين والتقبيح العقليين يجعله الفرنج أساساً لأحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية - يقصد بهذه العبارة ما يعود الحكم في صحته للعقل دون مرجع آخر - وقرأت مع مسيو شواليه جزأين من كتاب يسمى (روح الشرائع) مؤلفه شهير بين الفرنساوية يقال له مونتسكيو... ويلقب عندهم بابن خلدون الأفرنجي، كما أن ابن خلدون يقال له عندهم منتسكيو الشرق أي منتسكيو الإسلام. وقرأت أيضاً في هذا المعنى كتاباً يسمى (عقد التأنس والاجتماع الإنساني - العقد الاجتماعي-) مؤلفه يقال له روسو، وهو عظيم في معناه. وقرأت في الفلسفة تاريخ الفلاسفة المشتمل على مذاهبهم وعقائدهم وحكمهم ومواعظهم...».
والحديث عن الطهطاوي المفكر والمؤلف والمترجم والشاعر لا ينتهي، والدور الذي أداه في نقل تراث العقل والحرية الغربي لا ينهض بأدائه رجل واحد، بل تنهض به أجيال متلاحقة، ويكفي أن نشير إلى هذا الدور بما ترجم تحت إشرافه من اللغات الأوروبية وبلغ أكثر من ألفي كتاب.
***
وننتقل للحديث عن خير الدين التونسي فنقول إنه لم يكن مجرد مفكر متبحر مجدد، وإنما كان أيضاً رجل دولة جمع بين الفكر والعمل، وجمع في الفكر بين التراث العربي الإسلامي والتراث الغربي. وكان وزيراً للبحرية في تونس، وعضواً في اللجنة التي وضعت دستور 1860، ورئيساً لمجلس الشورى. وحين انتقل إلى استامبول أصبح صدراً أعظم أي رئيساً للوزراء. ولا شك في أن اشتغاله بالسياسة لم يمكنه من أن يتفرغ للتأليف. لكنه وهو رجل دولة، كان أيضاً رجل فكر يسعى لتحديث المدينة الإسلامية بما تعلمه من الثقافة الغربية. ونحن نقرأ كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي يتحدث فيه عن نشوء الدول وسقوطها فنرى كأنه يحيي تراث مواطنه التونسي ابن خلدون.
ومع أن خير الدين ولد قوقازياً شركسياً فقد أصبح بالنشأة عربياً عثمانياً. تعلم العربية في تونس وهو صبي فصارت لغته الأولى. وتعلم الفرنسية فامتلكها. وقرأ التراث العربي الإسلامي حتى استطاع أن يستشهد بالقرآن والحديث، وبابن خلدون، والغزالي، وابن عربي، والماوردي. وقرأ أيضاً كتاب توأمه الفكري الطهطاوي «تخليص الإبريز». وقرأ من التراث الأوروبي مونتسكيو وبوليبوس، وهو مؤرخ إغريقي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، وكتب موسوعة ضخمة عن «تاريخ البحر المتوسط» لم يصلنا منها إلا الأجزاء الخمسة الأولى من أجزائها الأربعين. ومن الواضح أن خير الدين وجد في تاريخ بوليبوس ما يشبه تاريخ ابن خلدون، وهي القضية التي شغلت مفكراً ورجل دولة.
وفي المقالة المقبلة نتم حديثنا عن الرائدين العظيمين.
