يوسف الديني
باحث سعودي ومستشار فكري. درس العلوم السياسية والإسلاميات التطبيقية، وعمل بالصحافة منذ عام 1999، وكاتب رأي في «الشرق الأوسط» منذ 2005، له كتب وبحوث ناقدة لجذور الإرهاب والتطرف والحركات والمنظمات الإرهابية في المنطقة. كتب عشرات الأبحاث المحكمة لمراكز بحثية دولية، ونشرت في كتب عن الإسلام السياسي والحاكمية والتطرف ومعضلة الإرهاب، وساهم بشكل فعال في العديد من المؤتمرات حول العالم.
TT

حالة اللاحسم والحرب السائلة

استمع إلى المقالة

في منطقة الشرق الأوسط المفاهيمُ سائلةٌ لا يمكن أن تعطي مدلولاتِها السياسيةَ كما تعرفها العلومُ السّياسيةُ. الحرب ثم المفاوضات ثم الهدنة وحتى السلام... هي مفاهيمُ ذاتُ سياقٍ خاص منذ لحظةِ السَّابعِ من أكتوبر (تشرين الأول)، وما تلاها من فصول لمسلسل متشابك طويل من الأزمات الجزئية التي تغذي النزاع الأكبر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران.

من مشروع غزةَ إلى هدنة الستين يوماً مع إيرانَ لا شيء من ذلك ينهي الأزمة، وحتى الهدن لا تتحوَّل إلى خطوة أولى نحو مشروع سلام؛ فكلُّ الحلول المؤقتة هي مجرد تعبيرات ملطفة لإدارة الأزمة ومحاولة تخفيف تعقيداتها، التي تكبر بفعل عامل الوقت، وهي ما رأيناه في المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول البرنامج النووي بداية، ثم مضيق هرمز، التي تحوَّلت إلى مسألة نزاع طويل لا أحد يملك فيه شجاعة الحسم، حتى أصبح البقاء على حافة القلق الدائم من جميع الأطراف مسألة إشكالية لا يمكن أن تحتملها الأوضاع في منطقة شديدة التعقيد، بسبب وقوعها في قلب ممرات الطاقة والتجارة والطرق البحرية، وبالتالي في سقف كل التوازنات الإقليمية، التي بات مجرد إضافة يوم من حالة اللاحسم فيها هو تكلفة إضافية ضخمة.

جذر الأزمة إطالة التفاوض بهدف الانتظار لانهيار نظام طهران أو تراجعه، وهو للأسف لا يعبر عن أي استراتيجية مضمونة العواقب قدر ما يبدو مقامرة في منطقة جغرافية وفترة زمنية حرجة لا تحتمل التأجيل، ولا سيما أنَّ إيرانَ تعمل في المقابل على استمرار الأزمة والتضحية بمقدراتها والضغط على شعبها لرفع تكلفة استمرار الأزمة، وإرباك المجتمع الدولي حيال التأثيرات الاقتصادية الكبيرة على مستوى الإمدادات، وأيضاً نزف الأسواق.

نحن اليومَ أمام نمط جديد ليس من الحروب فحسب، بل حتى من المفاوضات التي يتكرر فيها الإعلان عن قرب الاتفاق، ثم التلويح بالحرب، ثم إعلان هدنة وشيكة، مع تفاصيل إضافية عن الشروط عادة يعلن عنها بشكل منفرد وعبر حسابات تواصل اجتماعي. وهذه مفارقة ليست عابرة أو شكلية، بل تعبير عن تحول كبير في تقاليد إدارة الصراع؛ لا سلام واضح ولا حرب شاملة، بل منطقة رمادية لزجة يتعايش فيها التصعيد، جنباً إلى التفاوض والوساطة والهدنة التي عادة ما تُخترق بإطلاق النار المحدود.

استدامة هذا الوضع على أمل الانهيار، أو الحرص على التأجيل والمماطلة من أجل مناسبات سياسية، ليس سوى تأجيل للأسئلة الكبرى إلى مراحلَ حرجة دون حسم، وعلى رأسها: مضيق هرمز، وامتلاك السلاح النووي، والتهديد الدائم لجيران طهران بشكل غير مقبول، ثم الاستهداف المستمر للبنان وحتى غزة، في محاولة لمنح ذريعة وحدة الساحات، على حساب كل ما قدمته الدولة اللبنانية من ضمانات وتصريحات غير مسبوقة للتفاوض على فصل الحالة اللبنانية عن النزاع وتحييد لبنانَ عن أن يكون ساحة تصعيد تجريبية لصلف الأطراف المتنازعة.

ما يحدث اليوم مشابه لما حدث في غزةَ؛ فوقف إطلاق النار كانَ من المفترض أن يقود إلى خطوات واضحة: انسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح «حماس»، وإعادة الإعمار. لكن الشهور مرت دون أن يحدث أي تقدم في هذه الوعود، حتى تحوَّلت الهدنة إلى إطار هش لتمديد الأزمة لا حلها بشكل نهائي. هذا السيناريو أكثر خطورة على مستوى الأزمة الإيرانية؛ لأنَّه لا يتَّصل بجبهة داخلية، وإنَّما بمصير ممر التجارة العالمية واقتصادات الطاقة، وبشبكة معقدة من التحالفات الإقليمية، إضافة إلى البرنامج النووي، وهو ما يعني توتير المنطقة بشكل غير مسبوق باتجاه العسكرة.

إيران تقامر بكل شيء لتبدو أنَّها مسيطرة على الوضع؛ فالحرب، ولا شكَّ، ألحقت بها أضراراً كبيرة تحتاج إلى سنوات لترميمها، لكن حتى المفاوضات وإطالة أمدها لها تأثيرها العميق خارج منطق ولغة النَّصر المفتعلة؛ فهناك بطالة عميقة تضرب بجذورها كلَّ أنحاء البلاد، مع مستويات تضخم خانقة، ووصول نقص الإمدادات إلى مستوى حرج... ومن هنا نفهم حرص طهران على مسألة الإفراج عن الأصول المجمدة.

الأكيد أنَّ الحلولَ الجزئية والتسويف في التفاوض الجاد، هما بمعنى آخر خطوة أقرب إلى لحظة الانفجار. حتى مع الفتح الجزئي لمضيق هرمز، فإنَّ ذلك وإن خفف الضغط على الأسواق، لكنَّه حتماً لن يعيد الثقة إليها.

نحن أمام ثقافة جديدة من اقتصادات القلق تتحرك فيها الشركات ورؤوس الأموال والسياح بحذر شديد، لكن الأخطر هو منح إيران الوقت والذرائع لتهديد جيرانها بشكل عبثي، في محاولة لرفع تكلفة الحرب، لكن بثمن باهظ، ألا وهو فقدان أي ثقة إقليمية بنظامها الذي أُعطي الفرصة لكي يتخلى عن عباءته الثورية وينخرط في تفاهمات جديدة للمنطقة، وفي لحظة تاريخية بعد أن عانى النظام من أكبر أزمة وجودية له وتجاوزها، ليس بفضل أسلحته أو قدرته العسكرية، بل بفضل التحييد الدولي والعقلانية التي تمسكت بها دول المنطقة لآخر لحظة، وعلى رأسها السعودية، لإدراك الجميع أن الحروب لا تحل المشاكل، بالإضافة إلى خطورتها على حالة الاستقرار. لذا، فإنَّ الحلول الجزئية تفتح نوافذ القلق، وتجعل مستقبل المنطقة والعالم معلقاً برسم انتظار لحظة الانفجار التي ستعمّق الأزمة.