سيمون كشر
أستاذ جامعي وخبير في الحوكمة الرشيدة
TT

بين الشهابية و«رؤية 2030»... عندما تصبح الدولة مشروعاً للإصلاح

استمع إلى المقالة

في تاريخ الأممِ لحظاتٌ مفصليةٌ يظهر فيها قادةٌ لا يكتفون بإدارة الدولة، بل يسعون إلى إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع ومستقبلها. وفي العالم العربي، تبرز تجربتان تستحقان التأمل من منظور مقارن: تجربة الرئيس فؤاد شهاب في لبنان بين عامَي 1958 و1964، وتجربة وليّ العهدِ السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ إطلاق «رؤية المملكة 2030».

ورغم الاختلاف الكبير في السياق التاريخي والسياسي والاقتصادي بين لبنان منتصف القرن العشرين، والمملكة العربية السعودية في القرن الحادي والعشرين، فإنَّ ثمة قاسماً مشتركاً يجمع التجربتين يتمثل في الإيمان بأنَّ بناء الدولة الحديثة لا يتحقق بالشعارات السياسية، بل من خلال إصلاح المؤسسات، وتطوير الإدارة العامة، والاستثمار في الإنسان، وتحقيق تنميةٍ متوازنةٍ تشمل جميع المناطق.

عندما وصلَ فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية عام 1958، كان لبنان يواجه أزمةً سياسيةً واجتماعيةً عميقة، كشفت حجم التفاوت بين العاصمة والمناطق الطرفية. كانتِ الدولة اللبنانية موجودة شكلياً، لكنَّها كانت غائبةً عن أجزاء واسعة من المجتمع. فكثيرٌ من المناطق الريفية كانت تعاني ضعفَ البنية التحتية، وغيابَ الخدمات الأساسية، وتراجعَ فرص التعليم والصحة والعمل.

أدرك شهاب أنَّ الاستقرار السياسي لا يمكن أن يستمرَّ من دون عدالة اجتماعية وتنمية متوازنة. ومن هنا جاءت رؤيتُه القائمةُ على بناء «دولة المؤسسات» بدلَ دولة الزعاماتِ والمحسوبيات. وكانت بعثة «IRFED» الفرنسية بقيادة الأبِ لويس جوزيف لوبريه إحدى أهم الأدوات التي اعتمدها لتشخيص واقع لبنان بصورة علمية. فقد قدَّمتِ البعثةُ دراسةً شاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المناطق اللبنانية، وكشفت حجم الفوارق التنموية بين المركز والأطراف.

لم تكن أهمية بعثة «إرفد» في النتائج التي توصلت إليها فحسب، بل في المنهجية التي اعتمدتها. فقد مثّلت أول محاولة علمية حديثة لوضع سياسات عامة مبنية على البيانات والأدلة، وهي فلسفة أصبحت اليوم من ركائز الحوكمة الحديثة في مختلف دول العالم.

استناداً إلى هذه الدراسات، أطلق العهدُ الشهابي سلسلةَ إصلاحات مؤسساتية وإدارية واسعة شملت إنشاءَ مجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي، وديوان المحاسبة بصيغته الحديثة، ومجلس الإنماء والإعمار بمفهومه الأولي، إلى جانب توسيع الخدمات التعليمية والصحية والإنمائية في المناطق المحرومة.

كانَ هدفُ شهاب بناء دولة قادرة وعادلة في آن واحد. دولة تحكمها القوانين والمؤسسات وليس العلاقات الشخصية والانتماءات الطائفية. لذلك ارتبط اسمُ الشهابية بفكرة «الدولة التنموية»، التي ترى في الإدارة العامة أداةً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي.

بعد أكثر من نصف قرن، تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً مختلفاً من حيث الحجم والطبيعة. فالمملكة تمتلك مؤسساتِ دولةٍ قوية ومواردَ اقتصادية ضخمة، لكنَّها وجدت نفسَها أمام تحديات التحول الاقتصادي في عالم يتغيَّر بسرعة، وتراجع الاعتماد الأحادي على النفط، وتصاعد المنافسة العالمية في مجالات المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار.

في هذا السياق، جاءت «رؤية 2030» بقيادة الأمير محمد بن سلمان بوصفها مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع والدولة. وإذا كانتِ «الشهابية» قد سعت إلى بناء الدولة اللبنانية الحديثة، فإنَّ «رؤية 2030» تسعى إلى بناء الدولة السعودية لما بعد الاقتصاد النفطي.

من الناحية الاقتصادية، حقَّقتِ المملكة خلال السنوات الماضية تحولاتٍ كبيرة. فقد ارتفعت مساهمةُ القطاعات غير النفطية في الاقتصاد، وتوسَّعت الاستثمارات في قطاعات السياحة والتكنولوجيا والترفيه والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة. كما شهدت المملكةُ نمواً ملحوظاً في الاستثمارات الأجنبية وتحسناً في بيئة الأعمال.

ومن الناحية الاجتماعية، شهدَ المجتمعُ السعودي تغيراتٍ واسعةً شملت زيادةَ مشاركة المرأة في سوق العمل، وتطوير قطاعات الثقافة والفنون والرياضة، ورفعَ مستوى الخدمات الحكومية الرقمية، وتوسيعَ فرص الشباب في التعليم وريادة الأعمال.

ومن أبرز مظاهر التَّحول المؤسسي في المملكة ما شهدته البيئةُ التشريعيةُ والقانونية من تحديث شامل عزَّز مناخَ الثقة والاستقرار القانوني، وأرسى قواعدَ أكثرَ وضوحاً للعلاقات المدنية والاقتصادية. فقد أُقرت أنظمةٌ حديثةٌ شملت نظامَ المعاملات المدنية، ونظام الأحوال الشخصية، ونظامَ الإثبات، والنظامَ الجزائي للعقوبات التعزيرية، بما أسهم في توحيد المرجعيات القانونية، وحماية الحقوق، ورفع كفاءة المنظومة العدلية. وعلى المستوى التنموي، رافقت هذه الإصلاحات سياسات نوعية في القطاع العقاري، من أبرزها برنامج «سكني» الذي أسهم في رفع نسبة تملك المواطنين لمساكنهم إلى أكثر من 70 في المائة، إلى جانب تحديث الأنظمة المنظمة للملكية العقارية، بما في ذلك تنظيم الملكياتِ المشتركة وإتاحة التملك للأجانب والمستثمرين وفق أطر قانونية واضحة. وتعكس هذه الإصلاحات رؤية تعتبر أنَّ التنميةَ المستدامة لا تقوم على المشروعات الاقتصادية وحدها، بل تستند أيضاً إلى بنية تشريعية مستقرة تعزِّز سيادة القانون، وتحمي الحقوق، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية طويلة الأمد.

أما على مستوى الإدارة العامة، فقد اعتمدتِ المملكةُ نهجاً يقوم على مؤشرات الأداء والقياس المستمر والحوكمة الرقمية. وأصبحت عمليةُ صنع القرار تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتخطيطِ الاستراتيجي والمتابعة الدقيقةِ للنتائج، وهي مقاربة تلتقي مع الرّوح الإصلاحية التي قادت تجربة فؤاد شهاب وإن اختلفت الأدوات والسياقات.

ولا تقتصر أهمية التجربة السعودية على حجم الإصلاحات التي تمَّ إطلاقُها، بل تمتد إلى طبيعة القيادة التي تقود هذا التحول. فالتاريخ السياسي يبيّن أنَّ المشروعات الإصلاحية الكبرى تحتاج إلى أكثرَ من الموارد والخطط والمؤسسات؛ فهي تحتاج أيضاً إلى قيادة قادرة على إقناع المجتمع بجدوى التغيير وحشد الطاقات حول رؤية مشتركة للمستقبل.

في هذا السياق، برزَ الأمير محمد بن سلمان شخصيةً سياسيةً استثنائيةً في العالم العربي المعاصر. فقد استطاع خلالَ فترة زمنية قصيرة أن يربط مشروعَ التحول الوطني بسردية مستقبلية واضحة تقوم على الثقة بالقدرات الوطنية والطموح وعدم القبول بالجمود. وأصبح الحديث عن المستقبل والتنافسية العالمية والابتكار والتكنولوجيا جزءاً من الخطاب العام اليومي في المملكة، بعد أن كانت هذه المفاهيم محصورة إلى حد كبير في النخب المتخصصة.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تمثل الكاريزما السياسية أحدَ عناصر التغيير التاريخي عندما تقترن بالمؤسسات والبرامج التنفيذية. وقد وصف عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، القيادةَ الكاريزمية بأنَّها القدرة على إلهام الأفراد وتحفيزهم لتجاوز الأنماط التقليدية والتكيف مع واقع جديد. وتكتسب هذه الكاريزما قيمتَها الحقيقية عندما تتحوَّل إلى مؤسسات وسياسات مستدامة، لا عندما تبقى مرتبطة بشخص القائد وحده.

وفي الحالة السعودية، يمكن ملاحظة أنَّ جاذبية شخصية الأمير محمد بن سلمان لم ترتبط فقط بخطابه السياسي، بل أيضاً بقدرته على تحويل الأفكار إلى مشروعات ملموسة ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. فمشروعات مثل «نيوم»، والبحر الأحمر، والقدية، وتطوير القطاع السياحي، وبرامج التحول الرقمي، ومبادرات تمكين الشباب والمرأة، لم تعد مجرد تصورات مستقبلية، بل أصبحت واقعاً اقتصادياً وتنموياً يسهم في إعادة تشكيل صورة المملكة ومكانتها الإقليمية والدولية.

كما نجح الأمير محمد بن سلمان في تقديم نموذج مختلف للقيادة السياسية في المنطقة، يقوم على السرعة في اتخاذ القرار، ووضوح الأهداف، والاعتماد على مؤشرات الأداء والنتائج القابلة للقياس. وقد أسهم هذا النهج في خلق حالة من التعبئة الوطنية حول مشروع التحول، وجعل «رؤية 2030» تتجاوز كونها خطة حكومية لتصبح مشروعاً مجتمعياً تشارك فيه مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني على حد سواء.

وإذا كان فؤاد شهاب قد نجح في الستينات في ترسيخ فكرة أنَّ الدولة هي أداة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، فإنَّ الأمير محمد بن سلمان يعمل اليوم على ترسيخ فكرة أنَّ الدولة يمكن أن تكون أيضاً منصةً للابتكار والتنافسية العالمية، وصناعة الفرص للأجيال القادمة. وفي الحالتين، يظهر الدور المحوري للقيادة عندما تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الحاضر إلى بناء المستقبل.

من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن النظر إلى التجربتين بوصفهما محاولتين لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. ففي الحالة الشهابية، سعتِ الدولةُ إلى تعزيز شرعيتها عبر توفير الخدمات والتنمية للمناطق المهمشة. وفي الحالة السعودية، تسعى الدولةُ إلى تعزيز شرعيتِها من خلال تحسين جودة الحياة وتوسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية، ورفع كفاءة المؤسسات العامة.

أما فلسفياً، فإنَّ التجربتين تعكسان فكرة مركزية في الفكر السياسي الحديث مفادها بأنَّ قوةَ الدولة لا تُقاس بحجم سلطتها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المصلحة العامة. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري أو أمني، بل هي إطار مؤسسي يسمح للمجتمع بتحقيق إمكاناته الاقتصادية والثقافية والإنسانية.

لقد كان فؤاد شهاب يؤمن بأنَّ بناء الدولة عملية تراكمية طويلة الأمد تتطلب الصبر والانضباط والعمل المؤسسي. ويبدو أن جزءاً مهماً من فلسفة التحول التي تقودها المملكة العربية السعودية اليوم يقوم على المنطق نفسه: الاستثمار في المؤسسات، والتخطيط للمستقبل، والانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.

لا يعني ذلك أنَّ التجربتين متطابقتان أو خاليتان من التحديات والانتقادات، فلكل تجربة ظروفُها الخاصة وسياقُها التاريخي والسياسي المختلف. إلا أنَّ القيمة الحقيقية للمقارنة تكمن في إبراز دور القيادة الإصلاحية عندما تقترن برؤية واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ.

في زمن تعاني فيه دولٌ عربيةٌ كثيرةٌ من أزمات الحوكمة وضعف المؤسسات، تبقى تجربتا فؤاد شهاب ومحمد بن سلمان مثالين على أنَّ الإصلاحَ الحقيقي يبدأ عندما تتحوَّل الدولةُ من مجرد سلطة تدير الأزمات، إلى مشروع وطني يسعى إلى بناء المستقبل. ففي الحالتين، كانَ الرهان الأساسي هو المواطن، وكانتِ التنمية هي الوسيلة، وكانتِ الدولة الحديثة هي الغاية.