أحمد عبد المعطي حجازي
TT

الطهطاوي والتونسي (1)

استمع إلى المقالة

أسباب واعتبارات مختلفة كانت وراء اختياري رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي موضوعاً لهذا الحديث الذي بدأته في الأسابيع الماضية، وحاولت فيه إثارة الاهتمام بالأوضاع الراهنة لثقافتنا العربية وما يتصل بها من قضايا يجب أن ننظر دائماً فيها، وأن نعرف دورها الحيوي الفعال الذي تؤديه في حياتنا القومية. ومن هذه القضايا وفي مقدمتها نشاطنا الثقافي المشترك في أقطار المشرق والمغرب، وما يحتاج إليه من خطط وسياسات ومؤسسات تحقق له التواصل والتبادل كما ينبغي لثقافة قومية لها تاريخها المشترك الحافل، ولها رسالتها التي نجتمع بها ونتوحد ونتقدم، ونشارك في حياة العصر، ونواجه بها التحديات.

هذا الدور الذي ننتظر من ثقافتنا أن تؤديه بنا، بأن ندرك خطورة هذا الدور ونتمثله ونعرف أننا موجودون بالثقافة قبل غيرها من شروط الوجود الإنساني. وهناك شرطان بعد ذلك علينا أن نوفرهما للثقافة بعملنا. الشرط الأول هو التجديد الدائم، والآخر هو التواصل المنتظم.

والحقيقة أنهما مترابطان، وأن كلاً منهما يؤدي للآخر، فالإبداع المتجدد عمل في ذاته القدرة على الحركة والانتقال والانتشار، والوصول للجمهور المتلقي، والتواصل المنتظم يتيح للمواهب أن تتأثر وتتبادل وتتفاعل وتبدع الجديد بعد الجديد.

***

وأنا أقف اليوم عند رمز معبّر عن وحدة الثقافة العربية وعن أهمية الدور الذي تؤديه في حياتنا. أتحدث عن رفاعة رافع الطهطاوي المصري وعن خير الدين التونسي اللذين افتتحت بهما الثقافة العربية عصرها الجديد.

كانا على الرغم من اختلاف الأصل والنشأة متعاصرين ينهلان من ينابيع واحدة، ويعتنقان أفكاراً متقاربة، ويؤديان دورين متكاملين.

الطهطاوي وُلد في السنة الأولى من القرن التاسع عشر في إحدى محافظات الصعيد لعائلة تنتسب إلى أصول عربية، وخير الدين من أصول شركسية، وُلد بعد الطهطاوي بعشر سنوات في القوقاز ثم انتقل في صباه إلى إسطنبول كما كان يفعل الكثيرون من أهل بلاده بحثاً عن مكان يشغله كجندي أو مملوك. وقد وجد هذا المكان في تونس، حيث التحق فيها بخدمة الوالي العثماني الباي أحمد. وهنا تتراجع الاختلافات الموجودة بين الطهطاوي والتونسي لتبدأ التوافقات.

الطهطاوي تعلم في الأزهر، وتتلمذ على يد شيخ من شيوخه كان له تأثير كبير في حياته وهو الشيخ حسن العطار الذي وُلد لرجل فقير عطار من أصول مغربية، وتعلم في الأزهر، وتعرف على الفرنسيين خلال وجودهم في مصر، ورحل إلى الشام، حيث أقام فيها زمناً، ومنها ذهب إلى تركيا ليقيم سنوات ويتزوج ثم يعود في أيام محمد علي إلى وطنه ليصبح واحداً من علماء الأزهر المعدودين، وتتوثق صلته بالشيخ أبي القاسم المغربي شيخ رواق المغاربة في الأزهر، وكان مع تبحره في علوم اللغة والدين شاعراً وناثراً ومفكراً مستنيراً أُعجب بالفرنسيين وبما شاهده معهم من المعارف والآلات والأجهزة، وذلك حين اختاره بعضهم ليتعلم على يده اللغة العربية، وكان يقول: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها، ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة - الفرنسية - من المعارف والعلوم، وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة». وبهذه الروح التي جمع فيها بين ما قرأه في الكتب وما شاهده وعاشه في رحلاته وأسفاره كان يتحدث مع تلميذه الطهطاوي، وبهذه الروح أيضاً اقترب من محمد علي وأصبح محرراً لجريدة «الوقائع المصرية»، ثم تولى مشيخة الأزهر، وحين قرر محمد علي أن يرسل أول بعثة علمية إلى فرنسا رشح له الشيخ العطار تلميذه الطهطاوي ليكون إماماً للبعثة، لكن الطهطاوي لم يكتفِ بأن يكون إماماً للبعثة، وإنما حوّل السنوات الخمس التي قضاها في فرنسا سهراً دائماً أهَّله ليؤدي الدور العظيم الذي أداه للنهضة المصرية وللثقافة العربية. وهذا ما صنعه أيضاً خير الدين التونسي الذي تربى تربية دينية تعلم فيها اللغة العربية كما تعلم الفرنسية، وباللغتين ظهرت مواهبه ولفتت له نظر الباي أحمد الذي عهد إليه بإدارة المدرسة العسكرية، ثم أرسله إلى باريس في مهمة رسمية كانت فرصة لإقامة استمرت أربع سنوات وسَّع فيها ثقافته الفرنسية كما فعل الطهطاوي خلال السنوات التي قضاها في عاصمة فرنسا وحصّل فيها ثقافة كانت ميلاداً مبشراً للثقافة العربية الجديدة. وسوف أواصل فيما يلي الحديث عن الطهطاوي على أن أكمل ما بدأته عن خير الدين في المقالة القادمة.

***

لم يكن الطهطاوي وهو يحصّل الكثير الذي حصله في الثقافة الفرنسية مجرد ناقل أو مترجم، وإنما كان صاحب قضية يعيش الواقع الذي عاشه في فرنسا وسمع به قبل أن يراه من أستاذه العطار، وتمنى مع هذا الأستاذ أن يرى مثله في مصر، وبهذه الروح عاد إلى وطنه ليبشر بما رآه وتمناه وليشارك في تحويله من ثقافة نظرية إلى واقع حي.

هكذا كان عليه أن يقدم المجتمع الفرنسي في كتابه الأول «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وأن يقدم المجتمع المصري الذي كان يحلم به في أعماله التالية، لا سيما كتابه «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية». وفي أعماله كلها كان يصدر عن ثقافة جامعة عربية - فرنسية فيها التاريخ، والفلسفة الإغريقية، والأساطير، والجغرافيا، والرياضيات، وفيها أعمال راسين، وفولتير، وروسو، ومونتسكيو. وقد رأى وهو في فرنسا أن الروائع العربية حاضرة لدى المستشرقين الفرنسيين؛ فاجتهد بعد عودته إلى مصر في الرجوع إليها، وهكذا قرأ أعمال الفلاسفة المسلمين، وساعد على نشرها، واهتم خاصة بمقدمة ابن خلدون. وبهذه الثقافة الجامعة حاول التوفيق في السياسة بين حقوق المواطنين وبين التقاليد الموروثة، ودعا إلى تدريس العلوم الحديثة في الأزهر، كما دعا إلى فتح باب الاجتهاد من جديد؛ لأن الذي كان صالحاً في زمان أو مكان قد لا يكون صالحاً لزمان آخر أو مكان آخر.

والطهطاوي أول من تحدث في هذا العصر الحديث عن الوطن والانتماء الوطني، كما أثار قضية المرأة في الأسرة والمجتمع، وتحدث عن حقوق المواطنين المنتمين إلى ديانات أخرى، وعن القوانين التي يجب أن توضع لتلبي هذه الحاجات الجديدة. ومن هنا أصبحت الترجمة عنده شرطاً لقيام ثقافة جديدة ونظام جديد.

وإلى اللقاء مع خير الدين التونسي.