حسن المصطفى
TT

خدمة حجاج بيت الله الحرام بعيداً عن السياسة!

استمع إلى المقالة

الملايين حول العالم شاهدوا فيديوهاتِ استقبال الحجاج الإيرانيين في المدينة المنورة، بترحاب كبير، حيث قُدّمت لهم الورودُ وهم يتوافدون تباعاً لأداء مناسك الحج لعام 2026، بيسرٍ وأمانٍ، بعيداً عن أي آثار سلبية للحرب التي جرت في الشرق الأوسط، وما أفرزته من واقع أمني وسياسي معقد.

هذه الفيديوهات أثارت دهشةَ بعض غير العارفين بسياسات المملكة، كون السعودية قد تعرضت لاعتداءات عدة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، في الحرب التي جرت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، 28 فبراير (شباط) الماضي؛ ولم تكنِ المملكة جزءاً منها، بل نشطت دبلوماسياً لمنع انزلاق المنطقة إلى العنف والفوضى، وسعت إلى تقريب وجهات النظر، والوصول إلى حلول دبلوماسية مستدامة، وأكدت في مناسبات عدة رفضها استخدام أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية لأي أعمال هجومية، إلا أنها رغم ذلك تعرضت لاعتداءات إيرانية ظالمة طالت منشآت حيوية ومدنية، وأضرت بالأمن الوطني.

هذا السلوك الإيراني، الذي ينتهك القانون الدولي صراحة، تعاملت معه السعودية ضمن الأطر العسكرية الدفاعية، والعمل الدبلوماسي النشط، واضعة حداً واضحاً بين السياسة من جهة وخدمة حجاج بيت الله الحرام من جهة أخرى، حتى لو جاء هؤلاء الحجاج من الدولة التي اعتدت على المملكة، إلا أنَّ الرياض تتعامل معهم بوصفهم مواطنين لا تحمِّلهم وزر هذه الاعتداءات، وبوصفهم أيضاً ضيوفاً أتوا لأداء مناسكهم وزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة.

خلال حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران، عام 2025، ونظراً لوجود آلاف الحجاج الإيرانيين في السعودية حينها، وعدم قدرتهم على العودة المباشرة إلى بلادهم، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، توجيهاً لـ«وزارة الحج والعمرة» يقضي بـ«تسهيل جميع احتياجات الحجاج الإيرانيين، وتوفير جميع الخدمات لهم، حتى تتهيأ الظروف لعودتهم إلى وطنهم وأهليهم سالمين»، وهذا ما عملت عليه الجهات الرسمية المعنية بشكل متقن، بمتابعة حثيثة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ما يهم الحكومة السعودية هو الالتزام بالقوانين المعنية بتنظيم الشعائر، والابتعاد التام عن «تسييس الحج»، أو رفع أي شعارات أو صور أو خطابات ثورية، من أي جهة كانت. وهذا الرفض لاستخدام الحج منصة سياسية، ليس أمراً طارئاً، أو مرتبطاً بالمتغيرات الأخيرة في منطقة الخليج العربي، بل هو سياسة سعودية متوارثة، تهدف لأن يكون «الموسم» على غاية من التنظيم والأمن والروحانية، والبعد عن كل ما يثير الفُرقة والخلاف، ويحرض على العصبية.

في هذا السياق، من المهم استحضار ما أدلى به في سنوات سابقة، قائد «قوات الطوارئ الخاصة» اللواء الركن محمد العمري، حيث أكد أن «هدف القوات الأساسي المحافظة على أمن الحج وأمن ضيوف الرحمن»، مشدداً على معاملة الحجاج «على كفوف الراحة»، وأن «أمن الحج خط أحمر، لن نرضى الوصول إليه، بل قبل الوصول إليه».

هذه اللغة الصريحة يُرادُ منها وضع حدٍ واضحٍ أمام أي أعمال غير نظامية قبل حدوثها، وإلا تحول الموسم العبادي إلى هرجٍ ومرجٍ ومساحة تستغلها الجماعات الحزبية في الترويج لأفكارها، واستقطاب الأفراد والتجنيد؛ ما يشكل خطراً حقيقياً على الحجاج والوفود الزائرة وأمن السعودية.

تاريخياً، نجد أن ملوك المملكة العربية السعودية، دائماً ما كان لقب «خادم الحرمين الشريفين» هو أكثر الألقاب قرباً وحباً لهم، كونه يخصهم بشرفِ العناية بالكعبة المشرفة في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وبقية المشاعر المقدسة، ومن ثم فهم مسؤولون عن راحة الحجاج وسلامتهم، وأن يعودوا إلى أوطانهم سالمين كما قدموا منها آمنين.

عدد من المرجعيات الدينية في حوزتي «النجف» العراقية و«قم» الإيرانية، وفق مصادر تحدثتُ معها، شددوا على أهمية اتباع الأنظمة المراعاة في السعودية، وأن مخالفة القوانين أمرٌ «محرمٌ»، وأن على الحجاج الإيرانيين وسواهم الالتزام بالتوجيهات التي تقدمها لهم السلطات المعنية في المملكة؛ لأن حفظ النظام العام من أوجب الواجبات.

السياسة السعودية تقوم دائماً على منع استخدام الدين لأغراض سياسية وحزبية، وعلى توفير جميع الإمكانات الخدمية والطبية واللوجستية لجميع حجاج بيت الله الحرام، من أي دولة قدموا؛ بينما القاعدة الأساس لكل ذلك: الالتزام بالقانون، ورفض تسييس الحج، وأن أمنه خط أحمر لن تقبل الرياض بتجاوزه!