4 جوانب لدور الساعات الذكية في مراقبة القلب

أداة مفيدة وليست طبيباً على معصمك

4 جوانب لدور الساعات الذكية في مراقبة القلب
TT

4 جوانب لدور الساعات الذكية في مراقبة القلب

4 جوانب لدور الساعات الذكية في مراقبة القلب

أصبحت الساعات الذكية Smartwatch سلعة شائعة بين المستهلكين عالمياً. وازداد عدد شحنات الساعات الذكية وأجهزة تتبع اللياقة البدنية بنسبة 11 في المائة سنوياً بين عامي 2021 و2025. وتم شحن 280 مليون وحدة حول العالم خلال عام 2024.

الساعة الذكية

وفي حين أن الساعة الذكية هي في الواقع أي جهاز محمول مزود بشاشة للاستخدام بدلاً من الهاتف، فإن الساعات الذكية الحديثة تتجاوز بكثير مجرد الاتصال والرسائل النصية، فهي تتضمن الآن ميزات الهاتف والمساعد الشخصي (سيري، إلخ)، وحتى تتبع اللياقة البدنية والصحة.

وقد أخذ استخدام الساعات الذكية كـ«أجهزة مراقبة الصحة القابلة للارتداء» Wearable Health Monitoring بالذات، في الانتشار الواسع عالمياً. وتتصل الساعات الذكية بالهاتف، ومع وجود أجهزة استشعار إضافية، يمكنها تتبع الميزات الصحية المهمة مثل شدة النشاط أو تمارين محددة، من خلال مراقبة المؤشرات الحيوية مثل معدل نبضات القلب، ومعدل التنفس، وإيقاع القلب، وتشبع الأكسجين، وحتى ضغط الدم. وأدى الانتشار المتزايد للساعات الذكية في أميركا إلى وفرةٍ في بيانات القياسات البيولوجية (البيانات البيومترية Biometric Data) الجديدة المتاحة لمقدمي الرعاية الصحية في إدارة معالجة المرضى. وثمة تحديداً ساعات ذكية معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA-Approved لمراقبة الصحة.

ولا يزال البعض في الأوساط الطبية يتساءل: هل هي موجة مستقبلية أم مضيعة للوقت؟ والحقيقة أنها «ليست مضيعة للوقت»، بل وسيلة مفيدة جداً لمراقبة عدد من المؤشرات الحيوية في الجسم، ولكنها لا تزال بحاجة إلى أمرين:

- تطوير تقني يدعم دقتها وتوسيع الاستفادة منها.

- دعم علمي لترجمة قراءاتها بطريقة صحية مفيدة للإنسان الذي يستخدمها.

دور صحي

وإليك الجوانب الـ4 التالية حول الدور الصحي للساعات الذكية:

1. تخطيط كهرباء القلب. ربما يسأل أحدنا، كيف تختلف الساعات الذكية المحتوية على «أجهزة تخطيط القلب القابلة للارتداء»

Wearable ECG عن أجهزة تخطيط القلب ذات الـ12 سلكاً 12-lead ECG التي يستخدمها الطبيب في العيادة أو المستشفى؟ وللإجابة، تستخدم الساعة الذكية، أو جهاز تخطيط القلب القابل للارتداء، مستشعراً أحادي القطب لقياس النشاط الكهربائي للقلب Single-Lead ECG، وعادةً ما يوضع أسفل الساعة الذكية.

وعلى الرغم من أنها لا تقدم معلوماتٍ تُضاهي أجهزة تخطيط القلب ذات الـ12 سلكاً، فإنها تتيح مراقبةً مستمرةً لنشاط القلب وتوفر وصولاً أسهل إلى بيانات صحة القلب مقارنةً باختبارات تخطيط القلب التقليدية. ومع ذلك، فهي عادةً ما تكون أقل دقةً وقد تكون لها قيودٌ في اكتشاف بعض الحالات القلبية. ومن أهمها:

- نظراً لأن الجهاز القابل للارتداء هو جهاز تخطيط قلب أحادي القطب، فإنه يوفر معلوماتٍ أقل حول النشاط الكهربائي للقلب مقارنةً بجهاز تخطيط القلب ذي الـ12 سلكاً. وهذا يعني أن بعض حالات القلب قد لا تُكتشف باستخدام تخطيط كهربائية القلب في الساعة الذكية.

- تستخدم أجهزة تخطيط كهربية القلب في الساعة الذكية مستشعراً أحادي القطب، الذي قد لا يُوفر قياسات دقيقة مثل الأقطاب المتعددة المستخدمة في تخطيط كهربائية القلب ذي 12 قطباً. وهذا يعني أن نتائج تخطيط كهربية القلب في الساعة الذكية قد لا تكون موثوقة كنتائج تخطيط كهربية القلب التقليدي.

- عادةً ما لا تستطيع أجهزة تخطيط كهربائية القلب أحادية القطب اكتشاف بعض حالات القلب، مثل اضطرابات التوصيل الكهربائي داخل القلب أو تضخم البطين الأيسر وغيره من حجرات القلب أو أمراض شرايين القلب.

- الإشارة التي يلتقطها تخطيط كهربائية القلب أحادي القطب معرضة للتشويش والتداخل والتشويش، مما قد يؤثر على جودة تتبع تخطيط كهربائية القلب.

- تتطلب أجهزة تخطيط كهربائية القلب في الساعة الذكية من المستخدم ارتداء الجهاز في الوضع الصحيح لضمان دقة القياسات.

- لا يهدف جهاز تخطيط كهربائية القلب الخاص بالساعة الذكية إلى تشخيص أو علاج أو تخفيف أو علاج أو منع أي مرض أو حالة طبية، ويجب عدم استخدامه بديلاً لتخطيط كهربائية القلب التقليدي أو النصيحة الطبية.

لياقة القلب: الأكسجين والنبضات

2. لياقة القلب. تقدم الساعات الذكية ميزة تقييم لياقة القلب Cardio Fitness وذلك عبر تقديم تقدير «مُثبت علمياً»، وهو السعة القصوى للأكسجين VO2max. وهي أكبر سعة الجسم لاستخدام الأكسجين في حالة بذل أكبر مجهود بدني في الدقيقة الواحدة. ولذا تُستخدم كمقياس لتقييم قدرة شخص على بذل مجهود جسماني، لأنها تمثل عدة عمليات تختص بمدى استفادة الجسم من الأكسجين، وهي:

- اكتساب الأكسجين من الهواء بواسطة الرئتين.

- نقل الأكسجين في الدم عن طريق الدورة الدموية.

- استفادة الخلايا العضلية القائمة بالحركة من الأكسجين.

ويكون القياس دقيقاً حينما يشمل حساب مقدار وزن الجسم أيضاً، أي (مليلتر أكسجين/ دقيقة/ كيلوغرام). وهو الذي يُمكن الاعتماد عليه في المقارنة بين قدرة الرياضيين على استمرارية بذلهم للمجهود، وذلك بالنسبة لرياضات يلعب فيها وزن المتسابق دوراً كبيراً.

وللتوضيح، تبلغ السعة القصوى للأكسجين لدى الحصان 200 مليلتر أكسجين/ دقيقة/ كيلوغرام، بينما يتمتع الرياضيون الذين يمارسون الجري مسافات طويلة بسعة قصوى للأكسجين كبيرة، تصل إلى 90 مليلتر/كيلوغرام/دقيقة.

ولكن في الساعات الذكية، لا يُؤخذ في الاعتبار «مقدار وزن الجسم». ويُقاس بمليلتر أكسجين لكل دقيقة (مليلتر أكسجين/ دقيقة). وبناء على ذلك فإن الأشخاص الكبار جسدياً وذوي الأوزان الكبيرة تكون لديهم سعة قصوى للأكسجين أعلى ممن تكون لدى القصيرين أو ذوي الوزن المنخفض.

وعملياً، ويشير الاستهلاك الـ«عالي» للأكسجين إلى كفاءة الجهاز التنفسي القلبي، والقدرة على استمرارية بذل المجهود. وثمة مؤشرات على أن ارتفاع VO2 Max يرتبط بطول العمر. ولذا يُمكن لمستخدمي الساعات الذكية اختيار تلقي إشعارات عند انخفاض تصنيفهم إلى «منخفض». ويرتبط انخفاض V02 Max بمشكلات صحية طويلة الأمد، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم. ويمكن التغلب على انخفاض V02 Max من خلال ممارسة الرياضة بشكل أكثر صرامةً وبوتيرة مُتكررة؛ وهي عادة يُمكنك تتبعها بسهولة باستخدام ميزة لياقة القلب في الساعات الذكية.

3. نبضات القلب. تتحقق الساعة الذكية من معدلات نبضات القلب التي تكون مرتفعة أو منخفضة بشكل غير عادي أثناء انعدام النشاط، وهذا «قد» يساعد في تحديد «الحالات التي قد تستدعي مزيداً من التقييم».

وتعطي بعض الساعات إشعاراً إذا كان معدل نبضات قلبك أعلى من 120 نبضة في الدقيقة أو أقل من 40 نبضة في الدقيقة لأكثر من 10 دقائق أثناء الراحة.

إن تتبع معدل نبضات القلب يمكن أن يكون مقياساً مفيداً لصحة القلب بشكل عام. ومع ذلك، من المهم تذكر أن ارتفاع معدل نبضات القلب أو انخفاضه بشكل غير طبيعي ليس دائماً مدعاة للقلق. وهناك العديد من الحالات التي لا يكون فيها اكتشاف نبض غير طبيعي بواسطة الساعة الذكية، سواء كان أعلى أو أقل من هذا النطاق، دقيقاً ولا يمثل مشكلة صحية خطيرة. ولذا من المعروف لدى أطباء القلب أن الساعات الذكية قد تُصدر تنبيهات إيجابية خاطئة بسبب تغيرات غير مرضية أو اضطرابات نظم قلبية حميدة أخرى.

ومع ذلك، يمكن لخاصية معدل نبضات القلب المرتفع والمنخفض أن تمنح المستخدم فكرة أفضل عن النطاق الصحي لمعدل نبضات القلب، مما يجعلك أكثر وعياً بأي خلل، ولكن دون الهلع أو القلق المفرط.

وعلى غرار خاصية معدل نبضات القلب المرتفع والمنخفض، يمكن لمستخدم الساعة الذكية أيضاً تلقي إشعار إذا كان يعاني من عدم انتظام نبضات القلب، وهو أحد أعراض الرجفان الأذيني (Afib). وهي حالة تنبض فيها الحجرات العلوية للقلب (الأذينان) بشكل غير متزامن مع الحجرات السفلية (البطينان).

والإشكالية أنه لا تظهر أعراض على كل من يُصاب بالرجفان الأذيني. وإذا تُرك المصاب دون علاج، فقد يؤدي ذلك إلى قصور في القلب أو جلطات دموية قد تؤدي إلى سكتة دماغية. وبالنسبة لأولئك الذين لا تظهر عليهم أعراض، قد يكون جهاز مراقبة، مثل الساعة الذكية، خطوة أولى حيوية في تشخيص الحالة.

ومع ذلك، يجدر تذكر أنه عندما يتعلق الأمر بـ«تشخيص اضطرابات نظم القلب»، يظل شريط قياس نبضات القلب أو تخطيط كهربية القلب (ECG) الذي يُجريه طبيب القلب، هو المعيار الأمثل. ولذا في حال تلقي إشعار باضطراب نظم القلب، فسيلزم إجراء المزيد من الفحوصات لتأكيد أو دحض هذا التنبيه. ويؤكد مجدداً أن إشعارات اضطراب نظم القلب قد ارتبطت بنتائج إيجابية خاطئة، وقد تؤدي إلى قلق شديد لدى المريض.

جيدة لقياس معدل نبضات القلب أثناء الراحة أو أثناء تمارين القلب الثابتة، ولكنها أقل جودة أثناء الحركة الشديدة أو غير المنتظمة

مشكلات الدقة

4. الدقة والثقة بالأرقام. إحدى المشكلات الرئيسية هي أن بيانات الأجهزة القابلة للارتداء ليست دقيقة بنسبة 100 في المائة، بل على العكس تماماً. فهذه ليست أجهزة طبية تعمل في بيئة مُتحكم بها، بل هي مستشعرات صغيرة جداً تخضع لللتشويش من جميع أنواع الضوضاء في العالم الحقيقي.

وقد تختلف قراءات معدل نبضات القلب حسب نوع البشرة والحركة وغير ذلك. وعلى سبيل المثال، وجدت الدراسات أن أجهزة التتبع التي تُلبس على المعصم قد تواجه صعوبة في الدقة لدى الأشخاص ذوي البشرة الداكنة. ويمكن أن يؤثر الميلانين الموجود في الجلد، وحتى الوشم، على كيفية امتصاص الضوء من المستشعر، مما يؤدي إلى قراءات أقل دقة. وهذا لا يعني أن الأجهزة هذه عديمة الفائدة للأشخاص ذوي البشرة الملونة، ولكنه يعني أنه يجب عليك تفسير القراءات بحذر وأن تكون على دراية بهذا القيد.

ويمكن أن تؤثر الحركة وكثافة التمرين أيضاً على الدقة. وإذا كان الشخص يمارس تدريباً متقطعاً عالي الكثافة، أو رياضات بها الكثير من حركة الذراع (مثل الملاكمة أو التنس)، فقد تواجه ساعته صعوبة في إعطاء نبض دقيق. وبشكل عام، تميل الأجهزة القابلة للارتداء إلى أن تكون جيدة جداً في قياس معدل نبضات القلب أثناء الراحة أو أثناء تمارين القلب الثابتة، ولكنها أقل جودة أثناء الحركة الشديدة أو غير المنتظمة.

وكذلك بالنسبة للمقاييس، مثل السعرات الحرارية المحروقة أو مراحل النوم أو درجات التوتر، علينا أخذها كتقديرات تقريبية. وعلى سبيل المثال، تعتمد خوارزميات حرق السعرات الحرارية على معدل نبضات القلب والحركة ويمكن أن تكون خاطئة بسهولة بمئات السعرات الحرارية في اليوم.

وفي تتبع النوم، لا يمكن لهذه الأجهزة قياس الموجات الدماغية حقاً مثل مختبر النوم. ولكنها «تستنتج» في الغالب مراحل النوم من الحركة ومعدل نبضات القلب. وقد تخطئ في التمييز بين النوم الخفيف واليقظة، وما إلى ذلك. وإذا لاحظ المرء أن «درجة التوتر» الليلية لديه تقفز بشكل كبير، فلا داعي للذعر - فهذه غالباً ما تكون تخمينات خوارزمية.

ونظراً لحدود الدقة هذه، من الضروري اعتبار بيانات الساعة الذكية دليلاً عاماً مفيداً، وليست حكماً طبياً نهائياً. إن أجهزة تتبع اللياقة البدنية ليست مصممة لتشخيص الأمراض، إنها أجهزة صحية. وتوضح مؤسسة القلب البريطانية (BHF) الأمر بقولها: «الأجهزة القابلة للارتداء لا تحل محل الفحوصات الطبية وليست مصممة لتقديم التشخيص. إنها مصممة في المقام الأول للمساعدة في مراقبة اللياقة البدنية». هذا يعني أنه لا ينبغي عليك استخدام ساعتك للتخلص من مخاوف جدية («صدري يؤلمني، لكن تخطيط كهربائية القلب في ساعتي يبدو طبيعياً، لذا أعتقد أنني بخير») - فقد يكون ذلك خطيراً للغاية. في الوقت نفسه، لا ينبغي عليك أيضاً اعتبار تنبيه الذعر الصادر من الساعة حالة طبية طارئة دون إجراء تقييم إضافي.


مقالات ذات صلة

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

صحتك التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

طرح باحثون سويديون نتائج متابعتهم المرضى الذين أصيبوا بحالات التهاب عضلة القلب Myocarditis بشكل حاد ومفاجئ.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك «2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة

«2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة

في ظل التحولات الصحية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تفرض أمراض القلب والأوعية الدموية نفسها بوصفها التحدي الأبرز أمام الأنظمة الصحية

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استشارات: انخفاض هرمون الذكورة وعلاجه ... القولون العصبي وآلام الحوض

استشارات: انخفاض هرمون الذكورة وعلاجه ... القولون العصبي وآلام الحوض

متى يجدر علاج انخفاض هرمون الذكورة؟

د. حسن محمد صندقجي
صحتك الأمعاء تتذكّر جيّداً ما نأكله كلّ يوم (بكسلز)

5 أطعمة تحمي أمعاءك... و5 أخرى تضرّها يومياً

ما الأطعمة المفيدة للأمعاء؟ وما الأطعمة الضارَّة التي يجب تجنّبها؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك سرطان الثدي مرض يتسم بنمو خلايا غير طبيعية في أنسجة الثدي (رويترز)

اختبار جيني يحدد مريضات سرطان الثدي اللاتي يمكنهن تخطي العلاج الكيميائي

نجح ⁠أكثر ​من ثُلثي ⁠النساء اللائي اعتمدت رعايتهن على اختبار بروسنيا الجينومي من شركة فيراسيت في تجنب العلاج الكيميائي بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج
TT

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

التهاب عضلة القلب... الأسباب والتشخيص والعلاج

طرح باحثون سويديون نتائج متابعتهم المرضى الذين أصيبوا بحالات التهاب عضلة القلب Myocarditis بشكل حاد ومفاجئ.

التهاب عضلة القلب

وركزت الدارسة، التي تُعتبر هي الأطول في المتابعة لمدة تتجاوز 10 سنوات، على كيفية تكوين التنبؤ طويل الأمد لدى الأطباء حول مستقبل هؤلاء المرضى بعد إصابتهم الحادة بالتهاب عضلة القلب.

ووفق ما تم نشره ضمن عدد مايو (أيار) من مجلة قصور القلب Journal of Cardiac Failure، أفاد الباحثون من قسم أمراض القلب بمستشفى سالغرينسكا الجامعي في غوتنبرغ بالسويد بالقول: «التهاب عضلة القلب الحاد هو حالة التهابية تصيب عضلة القلب Myocardium، وتتفاوت نتائجها بين الشفاء التام وفشل القلب التدريجي أو الوفاة. وقد ساهمت التطورات في التشخيص، مثل اختبارات التروبونين عالية الحساسية والتصوير بالرنين المغناطيسي القلبي، في تحسين الكشف عن المرض. غير أن المعلومات المتعلقة بتوقعات سير المرض لدى مجموعات المرضى، لا تزال في الواقع العملي محدودة».

وأوضح الباحثون أنه: «قد ينجم التهاب عضلة القلب الحاد عن أسباب مختلفة، مثل العدوى الفيروسية، أو ردود الفعل المناعية، أو بعض الأدوية. وقد يؤدي إلى ألم في الصدر، أو قصور في القلب، أو اضطراب في نظم القلب».

وأفادوا في نتائج دراستهم بالقول: «وفي هذه الدراسة التي امتدت لعقد من الزمن، كانت نتائج معظم المرضى إيجابية. ولكن البعض الآخر منهم أُصيب بمضاعفات خطيرة. وخلال السنة الأولى، عانى ما يقارب 9 من كل 100 مريض من مشكلات حادة، مثل قصور القلب، أو اضطراب نظم القلب الخطير، أو الحاجة إلى علاج متقدم لدعم القلب. وكان المرضى الأكبر سناً، أو الذين ظهرت عليهم علامات قصور القلب، أو الذين ظهرت عليهم علامات انخفاض وظائف القلب في فحص الموجات فوق الصوتية، أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات. sوبشكل عام، فإن الكشف المبكر عن المرضى الأكثر عرضة للخطر قد يُساعد الأطباء على توفير مراقبة دقيقة وتحسين النتائج على المدى الطويل. كما قد يُساهم التقييم المبكر للمخاطر والإدارة المُوجّهة في تحسين التشخيص لدى الأفراد المعرضين للخطر».

حالتان مرضيتان وعوامل مسببة

وكانت جمعية القلب الأوروبية ESC قد أصدرت في عام 2025 «إرشادات الممارسة الإكلينيكية لجمعية القلب الأوروبية لإدارة التهاب عضلة القلب والتهاب غشاء التامور Pericarditis (المحيط بالقلب)». وقدمت هذه الإرشادات توصيات بشأن التشخيص والعلاج بناءً على أفضل الأدلة الطبية والعلمية المتاحة.

وبالتزامن، أصدرت جمعية القلب الأوروبية وثيقة بعنوان: «ما يحتاج المرضى إلى معرفته»، موجهة للمرضى وذويهم. وقالت: «التهاب عضلة القلب والتهاب التامور حالتان مرضيتان تتضمنان التهاباً في القلب. وفي التهاب عضلة القلب، تلتهب عضلة القلب نفسها. أما في التهاب التامور، فيلتهب غشاء التامور المحيط بالقلب. وغالباً ما يكون لالتهاب عضلة القلب والتهاب التامور نفس السبب، لكنهما يؤثران على أجزاء مختلفة من القلب. وفي بعض الحالات، نظراً لقرب التامور وعضلة القلب، قد يؤثر الالتهاب في أحدهما على الآخر. ويُطلق على التهاب عضلة القلب والتامور اسم «التهاب التامور مع التهاب عضلة القلب» Myopericarditis، بينما يُطلق على التهاب التامور مع عضلة القلب اسم «التهاب عضلة القلب مع التهاب التامور» Perimyocarditis».

وهناك العديد من العوامل التي قد تُسبب التهاب القلب. والسبب الأكثر شيوعاً هو العدوى الميكروبية، وخاصة الفيروسات. وعلى سبيل المثال، يمكن للفيروسات الشائعة، مثل تلك التي تُسبب نزلات البرد والإنفلونزا و«كوفيد - 19»، أن تُسبب التهاب عضلة القلب. وتشمل الأسباب المحتملة الأخرى العدوى البكتيرية أو الفطرية. وفي بعض الأحيان النادرة، يكون التهاب التامور ناتجاً عن السل Tuberculosis، خاصة في مناطق معينة من العالم.

كما يمكن لأمراض المناعة الذاتية Autoimmune Diseases (التي فيها يهاجم الجهاز المناعي أجزاء أو أعضاء في الجسم) مثل الذئبة Lupus والتهاب المفاصل الروماتويدي، أن تُسبب التهاب عضلة القلب أو التهاب التامور.وكذلك قد تكون بعض الأدوية والعلاجات سبباً أيضاً. مثل أدوية العلاج الكيميائي للسرطان، أو العلاج الإشعاعي للصدر، أو حتى، في حالات نادرة جداً، ردود الفعل تجاه اللقاحات أو بعض الأدوية.

كما يمكن لبعض المخدرات الترفيهية أن تُسبب التهاب عضلة القلب ولكن في كثير من الحالات، يكون سبب الالتهاب غير معروف (يُسمى «مجهول السبب» Idiopathic).

الأعراض والتشخيص

وتوضح جمعية القلب الأوروبية أن كلاً من التهاب عضلة القلب والتهاب التامور يمكن أن يُسبب ألماً في الصدر وأعراضاً مُصاحبة، لكنّ هذه الأعراض تختلف من حالة لأخرى.

* الأعراض. وتكون الأعراض غير مُحددة وقد تتشابه مع أعراض أمراض قلبية أخرى. وتضيف قائلة: «تشمل الأعراض عادةً ما يلي:

- ألم أو انزعاج في الصدر. قد يكون الشعور مُشابهاً لنوبة قلبية أو ضغط شديد على الصدر.

- ضيق في التنفس. قد تشعر بضيق في التنفس أثناء القيام بالأنشطة اليومية أو حتى أثناء الراحة إذا لم يكن القلب ينبض بقوة.

- خفقان القلب. قد تشعر بنبضات قلبك سريعة أو قوية أو غير منتظمة.

- إرهاق أو تعب أو ضعف. قد تشعر بالتعب بسهولة أو بانخفاض شديد في الطاقة.

- حمى أو أعراض تُشبه أعراض الإنفلونزا. نظراً لأن العديد من الحالات يتبع عدوى، فقد تُعاني من حمى، وآلام في الجسم، وسعال، أو التهاب في الحلق (التهابات الجهاز التنفسي)، بالإضافة إلى غثيان، وقيء، وإسهال، وألم في البطن (التهاب المعدة والأمعاء).

- إغماء أو دوار. إذا كان نبض القلب غير منتظم للغاية، فقد تشعر بالدوار أو الإغماء.

- تورم في الساقين أو البطن. قد يتراكم السائل ويسبب تورماً (وذمة Oedema) في حالات التهاب عضلة القلب الحاد.

- ألم في الصدر، ضيق في التنفس، خفقان، إرهاق، أعراض تشبه أعراض الإنفلونزا».

وأضافت أيضاً قائلة: «أعراض التهاب عضلة القلب قد تكون خفيفة أو شديدة. ولا تظهر جميع هذه الأعراض على الجميع. حيث قد يعاني بعض الأشخاص من مرض خفيف فقط، وقد لا يدركون إصابة قلوبهم إلا بعد مراجعة الطبيب. وفي أحيان أخرى، يذهب المرضى إلى قسم الطوارئ بسبب ألم في الصدر، ليكتشفوا أنه التهاب في عضلة القلب، وليس نوبة قلبية».

- التشخيص: ويتضمن تشخيص التهاب عضلة القلب و/أو التهاب التامور مزيجاً من مراجعة التاريخ الطبي لشكوى المريض، والفحص السريري الإكلينيكي، وإجراء عدد من الفحوصات المهمة. وتشمل الفحوصات:

- تحاليل الدم. وتشمل التحاليل الأساسية التالية:

- تحاليل مؤشرات مستوى الالتهاب في الجسم. ومن أهمهم البروتين التفاعلي سي CRP وسرعة ترسب الدم ESR.

- مستوى التروبونين Troponin الذي يعكس مدى حصول تلف في عضلة القلب، حيث يشير ارتفاع التروبونين إلى تلف عضلة القلب، والذي قد يُلاحظ في التهاب عضلة القلب.

- مستوى الببتيد الناتريوتيكي من النوع بي BNP الذي يعكس مدى وجود ضعف في عضلة القلب.

- يمكن إجراء تحاليل الدم أيضاً للبحث عن الأجسام المضادة الفيروسية أو مؤشرات المناعة الذاتية، ولكن هذا ليس ضرورياً عادةً.

- رسم تخطيط كهربائية القلب ECG. ويُسجل هذا الفحص السريع وغير المؤلم النشاط الكهربائي للقلب. وتشمل النتائج النموذجية لالتهاب التامور تغيراً في شكل النمط الكهربائي. ويمكن أن يُسبب التهاب عضلة القلب تغيرات أخرى في تخطيط كهربائية القلب، أو عدم انتظام في الإيقاعات، أو تأخراً في سريان النشاط الكهربائي في عضلة القلب.

- تصوير تخطيط صدى القلب (الإيكو ECHO). ويستخدم هذا النوع من الفحص الموجات فوق الصوتية. وفي حالة التهاب التامور، يمكن للإيكو الكشف عن وجود سوائل حول القلب وداخل غشاء التامور، أو إظهار ما إذا كانت حجرات القلب تمتلئ بشكل صحيح. وفي حالة التهاب عضلة القلب، قد يكشف الإيكو عن ضعف ضخ القلب أو تضخمه.

= التصوير بالرنين المغناطيسي للقلب C-MRI. ويُمكن لهذا النوع المفيد جداً من الفحص تصويرُ الالتهاب والتندب في عضلة القلب بشكل مباشر، لدعم تشخيص التهاب عضلة القلب. كما قد يُظهر وجود السوائل داخل غشاء التامور (انصباب التامور Pericardial Effusion) وتثخن سماكة غشاء التامور.

نصائح جمعية القلب الأوروبية للعلاج

لخصت جمعية القلب الأوروبية المعلومات التي تهم المريض حول معالجة حالات التهاب عضلة القلب. وأفادت قائلة: «يركز علاج التهاب عضلة القلب بشكل أساسي على دعم القلب، وعلاج الالتهاب، واستعادة إيقاع القلب الطبيعي عند الحاجة. ونظراً لاختلاف شدة التهاب عضلة القلب بشكل كبير، فإن نطاق العلاجات أوسع من نطاق علاجات التهاب التامور».

وذكرت النقاط التالية:

- الراحة والمراقبة: الراحة التامة ضرورية في المراحل المبكرة. في حال دخولك المستشفى، ستخضع لمراقبة دقيقة لإيقاع القلب ووظيفته. حتى في المنزل، من المهم تجنب النشاط البدني المكثف، لأنه قد يزيد الالتهاب سوءاً. تعتمد مدة الراحة على شدة الحالة، وسيقدم لك طبيبك التوجيهات اللازمة.

- أدوية قصور القلب: إذا كانت قدرة قلبك على ضخ الدم ضعيفة، فسيعالج الأطباء حالتك بأدوية قصور القلب، بما في ذلك مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين أو حاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين (لتقليل إجهاد القلب)، وحاصرات بيتا (لإبطاء معدل ضربات القلب وتحسين وظيفته)، ومدرات البول (حبوب الماء للتخلص من السوائل). وتساعد هذه الأدوية القلب على ضخ الدم بشكل أفضل وتمنع تراكم السوائل.

- الأدوية أو الأجهزة المضادة لاضطراب النظم: إذا تسبب التهاب عضلة القلب في اضطرابات خطيرة في نظم القلب، فقد تُعطى أدوية لتثبيت النظم أو حتى جهاز تنظيم ضربات القلب/مزيل الرجفان مؤقتاً. ويحتاج بعض الأشخاص إلى جهاز مقوم نظم القلب ومزيل الرجفان القابل للزرع ICD إذا استمرت اضطرابات النظم الخطيرة. وفي بعض المرضى، يُستخدم جهاز دعم الحياة كحل مؤقت أثناء انتظار الشفاء أو اتخاذ قرار زرع جهاز ICD.

- الكورتيكوستيرويدات (مشتقات الكورتيزون) أو مثبطات المناعة الأخرى: في أنواع غير محددة من التهاب عضلة القلب (مثل التهاب عضلة القلب بالخلايا العملاقة أو إذا كان سببه مرضاً مناعياً ذاتياً)، قد تُعطى جرعات عالية من الكورتيكوستيرويدات أو أدوية مثبطة للمناعة. ومع ذلك، في التهاب عضلة القلب الفيروسي الشائع، لا تُستخدم الكورتيكوستيرويدات دائماً نظراً لتضارب الأدلة.

- الرعاية الداعمة في المستشفى: قد تتطلب الحالات الشديدة رعاية مركزة. قد يشمل ذلك إعطاء أدوية عن طريق الوريد (مقويات القلب) لدعم قدرة القلب على ضخ الدم، أو حتى دعم الدورة الدموية الميكانيكي (مثل جهاز الأكسجة الغشائية خارج الجسم أو أجهزة مساعدة البطين) إذا كان القلب ضعيفاً للغاية.

- علاج السبب الكامن: إذا كان التهاب عضلة القلب ناتجاً بوضوح عن مرض مثل داء لايم، يتم علاج تلك العدوى. وفي حالات نادرة، عندما يُكتشف سبب فيروسي محدد مثل «كوفيد - 19»، يركز الأطباء على الرعاية الداعمة لعدم وجود علاج محدد. وإذا كان مرض يصيب الجسم كله يؤثر على القلب أيضاً، فسيستهدف العلاج السبب الكامن.

- يجب إيقاف الأدوية التي تسبب متلازمة التهاب عضلة القلب فوراً. ينطبق هذا على الكحول أو المخدرات الترفيهية إذا كانت تسبب هذه المتلازمة.

- اتباع نصائح الطبيب بشأن النشاط البدني.

- اطمئن، فكثير من المرضى يعانون من التهاب عضلة القلب الخفيف الذي يزول بالراحة والرعاية الداعمة فقط. سيُصمم طبيبك خطة العلاج بما يتناسب مع شدة الأعراض ودرجة اختلال وظائف القلب لديك.


خوض المخاطر أثناء اللعب يعزز المهارات لدى الأطفال

خوض المخاطر أثناء اللعب يعزز المهارات لدى الأطفال
TT

خوض المخاطر أثناء اللعب يعزز المهارات لدى الأطفال

خوض المخاطر أثناء اللعب يعزز المهارات لدى الأطفال

أظهرت دراسةٌ حديثةٌ لباحثين من جامعة «بريتيش كولومبيا» في كندا وكلية «الملكة مود» (Queen Maud University College) في النرويج، أن الأطفال الذين يقدمون على المزيد من المخاطر في الملعب، يتخذون قرارات آمنة بسرعة أكبر في العالم الحقيقي.

مزاولة المهمات الخطرة

أجرى الباحثون الدراسة التي نُشرت في شهر مايو (أيار) الحالي في «مجلة علم النفس» (the Journal of Environmental Psychology)، على ما يزيد عن 361 طفلاً من النرويج و63 طفلاً من كندا، كانت أعمارهم تتراوح بين 7 و11 عاماً، وكانت نسبة الذكور والإناث متقاربة تقريباً في أطفال البلدين.

وطلب العلماء من الأطفال تنفيذ مهمتين منفصلتين عن طريق الواقع الافتراضي (virtual-reality)، وهما عبارة عن محاكاة لألعاب الفيديو، خاضوها عبر سماعة رأس أثناء تحركهم في صالة ألعاب رياضية حقيقية.

في إحدى المهمتين، تحاكي مهمة الملعب هيكلاً افتراضياً للعب التوازن، يتميز بترتيب معقد لعوارض التوازن، والأعمدة الرأسية، وأربعة مستويات ارتفاع مختلفة، ما يُوفر تنوعاً في مستوى المخاطرة. وكان الأطفال في نقطة البداية على أرض مستوية، ثم تتدرج المرتفعات الافتراضية حتى تصل إلى 1.5 متر، وبعد ذلك طُلب من الأطفال القفز على هذه العوارض أو تخطيها بأي شكل، ما يزيد من احتمالية فقدان التوازن والسقوط.

وفي المهمة الثانية، طُلب من الأطفال تحديد الوقت المناسب لعبور شارع به حركة مرور، تتزايد فيها المخاطر تدريجياً، إذ يعير الطفل في المرحلة الأولى مساراً للدراجات، بينما يعبر في المرحة الثانية طريقاً تكثر فيه السيارات والدراجات معاً، وتم ضبط سرعة المركبات على 5 أمتار/ثانية دون تغيير.

وتم رفع مستوى الخطورة عن طريق زيادة كثافة المركبات، أولاً في اتجاه واحد، ثم في اتجاهين، وصممت بحيث تتناقص كثافة المرور تدريجياً، ما يجعل المهمة أسهل كلما طالت مدة انتظار الطفل للعبور، وتعتبر كل مرحلة مكتملة عند تحقق أحد الشرطين أما عبور الطفل الطريق بنجاح، أو تعرضه لحادث اصطدام.

وقام الباحثون بتطوير تقنية الواقع الافتراضي، التي كانت أساسية في التجربة، بحيث تشبه حركة المرور الحقيقية (حتى لا يتم تعريض حياة الأطفال للخطر). وقد أفاد 85 في المائة من الأطفال بأن بيئات الواقع الافتراضي كانت أقرب ما تكون لحركة المرور الحقيقية.

فهم الموقف وحُسن التصرف

أوضحت النتائج أن الأطفال الذين أظهروا جرأة أكبر في اللعب مثل الذين تحركوا بسرعة أكبر، وقضوا وقتاً أسرع في تسلق العوارض المرتفعة بالغة الصعوبة، كانوا أسرع وأكثر كفاءة في تحديد الوقت المناسب لعبور الشارع، وفي المقابل لم يتخذوا خيارات أكثر خطورة، بل كانوا أسرع في فهم الموقف والتصرف بناءً عليه.

في المجمل، أظهر الأطفال النرويجيون في الدراسة استعداداً أكبر بكثير لخوض المخاطر، مقارنة بأقرانهم الكنديين. وقال الباحثون إن السبب في ذلك راجع لأن النرويج تهتم بالأنشطة الميدانية خارج أسوار المدارس، وتحرص على استقلالية الأطفال في سياستها التعليمية.

وظهر أن الآباء والمعلمين في النرويج أكثر تقبلاً لحدوث المخاطر الجسدية البسيطة للأطفال. وفي المقابل، كان الآباء في كندا يحرصون على سلامة أطفالهم الجسدية، وربما يكون ذلك لخطورة الإصابات في الجليد في فصل الشتاء.

وحدث للأطفال الذين خاطروا أكثر أثناء اللعب أن سقطوا أيضاً بشكل متكرر في الملعب الافتراضي، ما يؤكد على أن السقوط والتعثر والمحاولة مجدداً تُعلم الأطفال قدراتهم وحدودهم وكيفية التكيف. ويؤكد الباحثون أن هذه الدروس قابلة للتطبيق في مواقف متنوعة في الحياة الحقيقية.

أكد الباحثون أن الحفاظ على سلامة الأطفال يعني السماح لهم بخوض المخاطر. ولذلك يُعد اللعب المحفوف بالمخاطر وسيلة أساسية لتعليم الأطفال كيفية الحفاظ على سلامتهم في مختلف المواقف. ونصحت الدراسة الآباء بضرورة إتاحة الفرصة للأطفال للتدرب على تقييم المخاطر الصغيرة ومواجهتها، حتى يمكنهم اكتساب الحكمة اللازمة لمواجهة المخاطر الأكبر لاحقاً.

على الرغم أن اللعب المحفوف بالمخاطر قد يبدو خطيراً من منظور الكبار، فإنه يتيح للأطفال اختبار قدراتهم في مواجهة الصعاب، وتجربة الفشل، وممارسة النشاط البدني، والنمو الاجتماعي والعاطفي، والمرونة، وإدارة المخاطر المختلفة، في مواقف لعب لها عواقب قليلة نسبياً، ويمكن تطبيق هذه الدروس المستفادة في مواقف حياتية متنوعة.

وتساهم الألعاب المحفوفة بالمخاطر في نمو الأطفال الفكري والوجداني من خلال ثلاث آليات مستمرة، يمرون بها، الأولى: «الاستعداد للمخاطرة»، وهي عملية عاطفية تتعلق بالاهتمام بالاشتراك في المخاطرة مثل المشاعر الإيجابية أو السلبية تجاه تسلق الأشجار، والثانية «تقييم المخاطرة»، وهو التفكير المعرفي في المخاطر التي ينطوي عليها النشاط مثل مدى متانة أغصان الشجرة، والثالثة «التعامل مع المخاطرة»، وهي العملية البدنية للاشتراك في المخاطرة مثل التسلق الفعلي والاختيار الفعلي للأغصان المستخدمة في التسلق.

أكدت الدراسة أن الاستفادة القصوى من لعب الأطفال في الهواء الطلق تتحقق من خلال عناصر أساسية. وهذه العناصر هي الوقت غير المقيد والمساحة الكافية والحرية، يعني ذلك ضرورة تخصيص وقت حر للأطفال غير منظم يومياً، وإيجاد أماكن ممتعة للعب مع أطفال آخرين، وليس فقط الألعاب الجاهزة التقليدية في الحدائق العامة، لأنها تُعد مملة بالنسبة للعديد من الأطفال.

يجب على الآباء السماح للأطفال باللعب بحرية، بما في ذلك خوض المخاطر الجسدية البسيطة التي قد تبدو مخيفة بالنسبة لهم. وأكد الباحثون أن الإصابات البسيطة لا تترك آثاراً عضوية على الأطفال، لكن الدروس المستفادة من اللعب تستمر مدى الحياة.

• استشاري طب الأطفال


«2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة

«2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة
TT

«2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة

«2030»... نحو رؤية متجددة لرعاية قلبية متكاملة

في ظل التحولات الصحية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تفرض أمراض القلب والأوعية الدموية نفسها بوصفها التحدي الأبرز أمام الأنظمة الصحية، لا لكونها السبب الأول للوفيات فقط، بل لما تخلّفه من أعباء اقتصادية واجتماعية ممتدة تمسّ الأفراد والمجتمعات على حد سواء. ومع تزايد تعقيد هذه الأمراض وتداخل عواملها بين الوراثي والسلوكي والبيئي، لم يعد النموذج التقليدي للرعاية الصحية قادراً على مواكبة هذه التحديات المتنامية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نماذج أكثر تكاملاً وتخصصاً، تتجاوز حدود العلاج التقليدي نحو منظومة شاملة تجمع بين الوقاية والتشخيص المبكر والعلاج المتقدم. ويأتي في مقدمة هذه النماذج مفهوم «مراكز التميز» التخصصية، التي تمثل ركيزة أساسية في إعادة تشكيل منظومة الرعاية القلبية، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، نحو نظام صحي متقدم قائم على الجودة والكفاءة والاستدامة.

لقاء طبي

> أعباء أمراض القلب:

وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن واقع أمراض القلب في المملكة وأدوار هذه المراكز المتخصصة أهمية خاصة، وهو ما تناوله اللقاء الحصري لـ«الشرق الأوسط» مع الدكتور فيصل القوفي، رئيس قسم القلب استشاري أمراض القلب التداخلية في مركز التميّز لأمراض القلب بمركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي في الظهران؛ حيث قدّم قراءة معمّقة لعبء أمراض القلب في المملكة، وحجم التحدي، والدور المنتظر لمراكز التميّز في مواجهته.

د. فيصل القوفي

في مستهل اللقاء، أوضح الدكتور فيصل أن الصورة العامة لأمراض القلب والأوعية الدموية في المملكة تعكس إلى حدّ كبير الاتجاه العالمي، من حيث إن هذه الأمراض ما زالت السبب الأول للوفاة، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات أمراض القلب الإقفارية «ischemic heart disease»، والسكتات القلبية، واضطرابات النظم وأمراض الأوعية، وهو ما يرتبط جزئياً بمتوسط العمر، وأنماط الحياة المعاصرة. غير أن ما يميز التجربة السعودية هو العبء المرتفع لعوامل الخطر الأيضية في سن مبكرة؛ حيث تُسجَّل نسبٌ عالية من السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم وقلة النشاط البدني، مما يفاقم من حدة التحدي، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات نوعية أكثر تخصصاً واستباقية.

وأشار الدكتور فيصل إلى ملاحظة مقلقة تتمثل في تزايد أعداد المرضى دون سن الخمسين ممن يعانون عوامل خطر متعددة، بل وظهور أمراض القلب لدى بعضهم في أواخر الأربعينات، وهو ما يؤدي إلى العيش فترة أطول مع مضاعفات المرض، وما يترتب عليها من أعباء صحية واقتصادية واجتماعية متزايدة؛ الأمر الذي يعزّز من أهمية الكشف المبكر والتدخل الوقائي في الوقت المناسب.

> جوانب نمط الحياة: أوضح الدكتور فيصل القوفي أن نمط الحياة اليومي في منطقتنا هو المحرك الخفي للمرض؛ إذ يلعب دوراً محورياً في دفع هذه الاتجاهات؛ حيث تسهم قلة النشاط البدني، وانتشار الوظائف المكتبية، والأنظمة الغذائية غير الصحية، في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

وأشار إلى أن التدخين لا يزال يمثل تحدياً رئيسياً، خاصة بين فئة الشباب، وهو ما يؤدي مع مرور الوقت إلى تراكم عوامل الخطر وانعكاسها السلبي على صحة القلب.

ومن خلال ممارسته الطبية، أضاف أن من اللافت أن كثيراً من المرضى يعتقدون أنهم يتمتعون بصحة قلبية جيدة، في حين تكشف الفحوصات الدقيقة عن وجود مؤشرات خطر واضحة، وهو ما يؤكد أهمية الكشف المبكر والتوعية الصحية المستمرة.

تحديات الرعاية القلبية

في قراءته لمشهد أمراض القلب، يلفت الدكتور فيصل القوفي إلى أن إحدى الأولويات الرئيسة تتمثل في ضمان وصول المرضى إلى الرعاية التخصصية في الوقت المناسب، خاصة في الحالات المعقّدة التي تتطلب خبرة دقيقة وتدخلاً سريعاً.

وأشار إلى أن المملكة حققت تقدماً ملحوظاً في توسيع نطاق الخدمات الصحية، متمثلاً بتطبيقها سبعة من أصل ثمانية إجراءات رئيسة لمكافحة هذه الأمراض، بدعم من خطة وطنية واضحة وقيادة متخصصة للأمراض غير المعدية ضمن وزارة الصحة، بما في ذلك خدمات القلب. إلا أن هناك حاجة مستمرة لتحسين إمكانية الوصول في بعض المناطق، بما يضمن تشخيص الحالات وعلاجها في أسرع وقت ممكن، لا سيما في الحالات القلبية المعقدة التي قد يؤثر تأخر التدخل فيها بشكل مباشر على النتائج السريرية.

وأكد الدكتور فيصل أن التحديات لا تقف عند حدود الإتاحة الجغرافية، بل تمتد إلى الحاجة لتوحيد معايير الرعاية بين مختلف المراكز، وتعزيز أنظمة البيانات الصحية، وتوسيع نطاق التقنيات المتقدمة لتصل إلى شريحة أكبر من المرضى.

كما شدد على أهمية الاستثمار المستمر في الكفاءات الوطنية من أطباء وباحثين وجراحي قلب، لضمان جاهزية النظام الصحي للتعامل مع العبء طويل الأمد لأمراض القلب والأوعية الدموية.

مراكز التميز

> منظومة طبية متكاملة: من واقع خبرته في التعامل مع الحالات القلبية المعقّدة، أوضح الدكتور فيصل القوفي أن مفهوم «مراكز التميّز» يبرز بوصفه جزءاً من الحل، لا مجرد تسمية تنظيمية؛ حيث تمثل هذه المراكز منظومة متكاملة تجمع أمهر الأطباء، والفرق متعددة التخصصات، وأحدث التقنيات المتقدمة تحت سقف واحد، بما يتيح للمرضى الحصول على رعاية شاملة للحالات الحادة والمزمنة والمعقدة على حد سواء.

وأكد أن هذا المستوى من التنسيق لا يُعدّ مجرد تحسين تنظيمي، بل قد يكون العامل الفارق بين نتيجة علاجية جيدة وأخرى متميزة، خاصة في الحالات القلبية التي تتطلب قرارات دقيقة وسريعة في وقت حرج.

وأضاف الدكتور فيصل أن أحد أهم أعمدة مراكز التميز يتمثل في التكامل بين تخصصات أمراض القلب، وجراحة القلب، وطب الأوعية الدموية ضمن برنامج موحّد، يضمن انتقال المريض بسلاسة من مرحلة التشخيص إلى العلاج ثم التعافي.

وأشار إلى أن هذا التنسيق الوثيق بين أعضاء الفريق الطبي يسهم في الاكتشاف المبكر للحالات، ويقلل من احتمالات تأخر التشخيص، كما يسرّع عملية اتخاذ القرار الطبي، ويعزز الاستفادة من البيانات والتقنيات الحديثة، ويضمن تصميم خطط علاجية مخصصة لكل مريض، وهو ما يمثل جوهر الطب الحديث القائم على الدقة والتفصيل بحسب حالة كل مريض.

كما أفاد الدكتور فيصل بأن عبء أمراض القلب في المملكة (الذي يصل إلى عشرات الآلاف من الوفيات سنوياً، وفق تقرير مرصد القلب العالمي لعام 2021) يعزز من الحاجة إلى مثل هذه النماذج المتقدمة، التي تركز على تكامل الرعاية وتطوير أساليب علاجية مبتكرة لمواجهة هذا التحدي الصحي المتنامي.

• نموذج الظهران تجربة متقدمة في مراكز التميّز القلبية

انطلاقاً من هذا الفهم، جاء إنشاء مركز تميز متخصّص لأمراض القلب والأوعية الدموية في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي في الظهران، الذي أُطلق مؤخراً في فبراير (شباط) 2026، ليقدّم نموذجاً عملياً لتكامل الرعاية القلبية، قائماً على جمع التخصصات والخبرات ضمن إطار منسّق يراعي احتياجات المرضى وسياق النظام الصحي في المملكة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور فيصل القوفي أن إنشاء هذا النوع من المراكز يأتي استجابة مباشرة لأحد أبرز التحديات الصحية، في ظل استمرار أمراض القلب والأوعية الدموية كسبب رئيسي للوفاة في المملكة، الأمر الذي يتطلب تطوير نماذج رعاية أكثر تكاملاً وتخصصاً.

وأشار إلى أن هذا النموذج مبني على النموذج المعتمد في معهد جونز هوبكنز لأمراض القلب والأوعية الدموية الشهير في الولايات المتحدة، الذي يركّز على تقديم رعاية متخصصة للحالات القلبية المعقّدة، مع الاعتماد على تقنيات متقدمة في مجالات متعددة، تشمل التدخلات التاجية المعقّدة، والتداخلات الهيكلية على صمامات القلب، وإجراءات إصلاح الصمام الأبهري عبر القسطرة، إضافة إلى إدارة حالات قصور القلب المتقدم باستخدام أحدث الوسائل العلاجية.

وأضاف الدكتور فيصل أن دور المركز لا يقتصر على تقديم الرعاية المباشرة، بل يمتد إلى بناء القدرات البشرية؛ حيث تمثل بيئة تدريبية متقدمة تسهم في إعداد الكوادر الصحية للتعامل مع التقنيات الحديثة والحالات عالية التعقيد، وهو ما يُعدّ ركيزة أساسية لأي نظام صحي يسعى إلى الاستدامة.

كما أفاد بأن دعم البحث العلمي يُعدّ جزءاً محورياً من هذا النموذج، من خلال تطوير منظومة بحثية قائمة على الابتكار والتجارب السريرية وتحليل البيانات، بالتعاون مع جهات محلية ودولية، بما يسهم في تعزيز المعرفة الطبية وتسريع وتيرة التطور في رعاية أمراض القلب.

ويتوافق هذا التوجّه، كما يمكن استنتاجه من طرح الدكتور فيصل، مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، من خلال التركيز على تحسين جودة الرعاية الصحية، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتطوير نماذج علاجية أكثر كفاءة واستدامة، وهذا مما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد في طب القلب وابتكاراته.

رؤية لرعاية قلبية متكاملة

كما أوضح الدكتور فيصل القوفي، فإن أحد الأهداف الاستراتيجية يتمثل في جعل الرعاية القلبية التخصصية متاحة لأكبر عدد ممكن من المرضى في مختلف مناطق المملكة، بغضّ النظر عن موقعهم الجغرافي.

وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يستند إلى محورين متلازمين: الأول تعزيز القدرة على إجراء التدخلات المتقدمة ضمن مراكز متخصصة، والثاني توظيف أدوات الصحة الرقمية، مثل التشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمتابعة عن بُعد، ونماذج التنبؤ بالمخاطر، بما يسهم في الكشف المبكر عن المشكلات الصحية وتخصيص العلاج لكل مريض، وهو ما يمثل توجهاً عالمياً في تطوير الرعاية الصحية.

إلى جانب ذلك، يشدد الدكتور فيصل على أهمية تطوير القوى العاملة الصحية، وتعزيز البحث العلمي، وبناء نماذج رعاية مستدامة، تمثل عناصر أساسية تسهم في تقليل العبء طويل الأمد لأمراض القلب والأوعية الدموية، وتحقق نظاماً صحياً أكثر كفاءة واستجابة للمستقبل، يقوم على الوقاية والكشف المبكر، لا على العلاج وحده.

وأكد، مستشرفاً ملامح العقد المقبل، أن الهدف يتمثل في تقديم رعاية عالمية المستوى تقوم على التميّز الإكلينيكي، والخبرة الموثوقة، والالتزام الكامل تجاه كل مريض، وذلك في إطار تحقيق مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

في النهاية، وبين عبءٍ مرضي ثقيل يظهر في أعمار مبكرة، ونظام صحي يتطور بوتيرة متسارعة في إطار رؤية طموحة، تبدو مراكز التميّز في أمراض القلب أحد أهم الجسور بين الواقع والمأمول؛ إذ تجمع بين الرعاية المتقدمة، والتدريب، والبحث العلمي، في نموذج متكامل يسعى إلى الارتقاء بجودة الحياة قبل علاج المرض.

وكما أوضح الدكتور فيصل القوفي، فإن مواجهة العبء المتزايد لأمراض القلب لا تقتصر على توسيع نطاق الخدمات، بل تمتد إلى تطوير نماذج رعاية أكثر تكاملاً، تضمن الوصول السريع إلى الخبرة التخصصية، وتعزز من فرص التشخيص المبكر والعلاج الفعّال.

ومن هذا المنطلق، تسعى المملكة إلى أن تضمن ليس فقط إنقاذ أرواح اليوم، بل أيضاً صناعة مستقبل يعيش فيه أبناؤها حياة أطول وأكثر صحة، في منظومة صحية يكون فيها القلب (مجازاً وحقيقة) أكثر انتظاماً واستقراراً.

ويبقى الرهان الحقيقي (كما يمكن استنتاجه من هذا الطرح) على قدرة الأنظمة الصحية على الانتقال من «علاج المرض» إلى «إدارة صحة الإنسان»؛ حيث لا يكون الهدف فقط إطالة العمر، بل تحسين جودته، وضمان حياة أكثر صحة واستدامة للأجيال القادمة.

* استشاري طب المجتمع