ريد إبستين وكاتي غلويك
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

رسائل كلينتون الإلكترونية تطفو على السطح من جديد

استمع إلى المقالة

إنَّه الموضوع الذي لا يمكن لأميركا حذفه من حديثها السياسي: رسائل هيلاري كلينتون الإلكترونية. في الأيام التي مرَّت منذ أن صارَ دونالد ترمب أول رئيس أميركي سابق يواجه اتهامات فيدرالية، أثار الجمهوريون من مختلف أنحاء الطيف الآيديولوجي ـ ليس فقط ترمب وحلفاؤه، وإنما أيضاً منتقدوه وأولئك الذين يرون أن أدلة المدعين العامين مدمرة ـ على الدوام الجدل القائم منذ 8 سنوات. لقد أمطروا خطبهم ومدوناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وظهورهم في التلفزيون بإدانات شديدة لحقيقة أن كلينتون ـ الشخصية التي لا تزال تثير ردود فعل عنيفة لدى القاعدة الجمهورية ـ لم توجه إليها اتهامات. الواقع أن الحدثَين من الأمور القانونية المختلفة إلى حد كبير، ولم يتبين قط أن كلينتون أساءت التعامل بشكل منهجي أو متعمد مع المعلومات السرية. ورغم ذلك فقد رجع الجمهوريون إلى تلك البئر بسرعة مدهشة، وهم يدركون أن ما يزيد قليلاً على عبارة «رسائل البريد الإلكتروني» من الممكن أن يعكر صفو المياه، ويبث ولاءاتهم، ويثير سخط قاعدتهم الشعبية. «اسجنوها»، كما هتفت امرأة في مؤتمر ولاية جورجيا للحزب الجمهوري، الذي عُقد نهاية الأسبوع الماضي، حيث سعى ترمب إلى إحياء قضية استخدام كلينتون البريد الإلكتروني. وقال في خطاب ألقاه في هذه الفعالية: «لم تُوجّه الاتهامات إلى هيلاري، كان ينبغي لها ذلك. ولكن لم تُوجّه إليها الاتهامات». في إطار حملته الانتخابية في ولاية نورث كارولاينا، انتقد رون ديسانتيس، حاكم ولاية فلوريدا، ممارسات البريد الإلكتروني لدى هيلاري كلينتون، في حين كان أكثر حذراً في التلميح إلى ترمب، منافسه الرئيسي على ترشيح الحزب الجمهوري. حتى كريس كريستي حاكم ولاية نيوجيرسي السابق، الذي جعل من انتقاده لترمب موضوعاً محورياً في حملته الانتخابية الرئاسية، قال على شبكة «سي إن إن» أخيراً إن وزارة العدل «مسؤولة عن عدم توجيه الاتهام إلى هيلاري كلينتون»، في حين اعتبر الحقائق التي تم نشرها ضد ترمب «مهلكة». قال آسا هاتشينسون حاكم ولاية أركانساس السابق، والمرشح الرئاسي لعام 2024 ومن نقاد ترمب، في مقابلة أُجريت معه يوم الاثنين: «التصور السائد أنها عوملت بطريقة مختلفة. يمكن لذلك التصور أن يصبح حقيقة بسرعة كبيرة». قال هاتشينسون، الذي كان في وقت من الأوقات خصماً رئيسياً لهيلاري كلينتون من ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون - وساعد في توجيه إجراءات العزل ضد بيل كلينتون - إنه رأى تمييزاً بين أزمة البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، وبين التهم التي واجهها ترمب. لكنه أضاف أنه «إذا قال الناخبون إن هذا الأمر ذو صلة، فإنه يصبح ذا صلة سياسية». إجمالاً للقول، تطرح هذه اللحظة تذكرة حية بالطرق التي لا تزال أشباح حملة عام 2016 تشوه وتدمر بها السياسة الأميركية. قال نيل نيوهاوس «الجمهوري» وأحد قدامى مستطلعي الرأي: «قلة من السياسيين على الجانب الديمقراطي من الممر يثيرون غضب الجمهوريين أكثر من هيلاري كلينتون». بطبيعة الحال، لم تنسَ كلينتون وأنصارها أزمة البريد الإلكتروني. وبعد توجيه الاتهام إلى ترمب، تُشكّل هذه الواقعة بالنسبة إلى كثير منهم رمزاً للنظام السياسي ووسائل الإعلام الرئيسية التي تركز غالباً على السطحية على حساب المضمون. يُسلط أنصار كلينتون الضوء الآن على «الاتهامات الواهية وغير المثبتة»، التي واجهتها بشأن استخدامها لخادم بريد إلكتروني خاص عندما كانت وزيرة للخارجية. ويستمتع البعض بأن الرجل الذي احتج على «هيلاري غير المستقيمة» يجد نفسه يواجه سلسلة من الاتهامات الخطيرة، واحتمال سجنه إذا ما أُدين. كانت كلينتون قد تحدثت مع مضيفي برنامج «بود انقذوا أميركا» في «مهرجان تريبيكا السينمائي» في نيويورك، وضحكت عندما أشار أحد مضيفيها إلى ميل بعض الجمهوريين لإجراء حالة تشابه مع رسائلها الإلكترونية. قالت هيلاري: «عندما تكون في شك، أليس كذلك؟». وأضافت: «أعتقد أنه أمر غريب، دعونا نقل فقط، إلى حد السخف، كيف أن هذا هو الرد الوحيد لهم. إنهم يرفضون قراءة لائحة الاتهام، ويرفضون التعامل مع الحقائق». نشرت كلينتون، أخيراً، صورة معدلة لها على «إنستغرام»، وهي ترتدي قبعة بيسبول سوداء مكتوباً عليها بحروف وردية «لكن رسائلها الإلكترونية». وقد أصبحت هذه العبارة المكونة من 3 كلمات بمثابة اختزال بين الديمقراطيين إثر الإحباط الناجم عن الحزن الذي تلقته بسبب كيفية تعاملها مع المراسلات السرية، مقارنة بالنكسة السلبية التي واجهها ترمب بسبب جميع المعايير القانونية والأخلاقية التي انتهكها أثناء توليه منصبه. أدرجت هيلاري رابطاً لشراء القبعة مقابل 32 دولاراً على موقع جماعتها السياسية. ورداً على سؤال حول هذا القرار، أجاب نيك ميريل، الذي عمل متحدثاً باسم كلينتون لفترة طويلة ولا يزال مستشاراً لها: «لقد تجاوزنا 7 سنوات على ما كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه، في أسوأ الأحوال، خطأ أحمق. وتذكير الناس بوجود قطعة من السلع بهدف جمع المال للحفاظ على ديمقراطيتنا هو أمر أشعر بارتياح كبير حياله».

من الناحية الموضوعية، هناك عديد من الاختلافات الواضحة بين الأزمتين. خلص تحقيق أجرته وزارة الخارجية الأميركية لمدة عام حول استخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص، إلى أنه على الرغم من ارتفاع مخاطر المساس بالمعلومات السرية، فإنه «لم يكن هناك دليل مقنع على سوء التعامل المنهجي والمتعمد مع المعلومات السرية من طرفها». على النقيض من ذلك، تتضمن لائحة الاتهام ضد ترمب ليس فقط سوء التعامل مع وثائق الأمن القومي الحساسة التي عُثر عليها في ناديه في مارلاغو بولاية فلوريدا، وإنما أيضاً تعمُّد عرقلة جهود الحكومة لاستردادها. وقد وُجّهت إليه 37 تهمة جنائية تتعلق بقضايا، من بينها حجب معلومات الدفاع الوطني وإخفاء حيازة وثائق سرية. قال روبرت كيلنر، المحامي الجمهوري وناقد لترمب، وشريك في مجموعة العمل «كوفينغتون وبورلينغ» للدفاع عن الموظفين والتحقيقات: «إن ترمب ما كان على الأرجح ستُوجه إليه الاتهامات إن كان قد تعاون مع طلبات الحكومة بإعادة الوثائق السرية التي أخذها من البيت الأبيض». وأضاف كيلنر قائلاً: «كان هناك كثير من الأمور التي يمكن انتقادها حول الطريقة التي تم بها التعامل مع التحقيق الذي أجرته هيلاري كلينتون، ومع ذلك، لا شيء منها، في رأيي، يشير إلى أن القضية ضد دونالد ترمب لا أساس لها من الصحة».

* خدمة «نيويورك تايمز»