صدم دونالد ترمب العالم في عام 2016 بفوزه بالبيت الأبيض، ليصبح أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة من دون خبرة عسكرية أو حكومية سابقة. فقد قلب رأساً على عقب آراء النقاد ووسائل الإعلام والعديد من المستشارين السياسيين الذين توقعوا بصلف ظاهر الفائز والخاسر قبل وقت طويل من الاقتراع.
بدلاً من ذلك، ركز ترمب على الحصول على أغلبية في «المجمع الانتخابي»، وهي الطريقة التي قد يفوز بها المرشح أو لا يفوز. لم يختلف ترمب عن باراك أوباما قبل ثماني سنوات؛ إذ كشف ترمب حدود القدرات السياسية لهيلاري كلينتون، ودرجة قبول شخصيتها المرتبطة مباشرة بالناس، وأدار حملة ناجحة، واستغل إحباطات وتطلعات ملايين الأميركيين.
بعض الناس لم ينسَ ذلك أبداً، إذ باتت «متلازمة تشويش ترمب» حقيقية ولا يوجد لقاح ولا معزز يتصدى لها. ففي صفحاتهم بوسائل الإعلام الاجتماعي، وفي مجتمعاتهم المختارة التي تضمُّ فئات متشابهة من البشر، يخفي المنكوبون كراهيتهم لترمب، التي يعبرون عنها في شكل دعوة صالحة للعدالة أو حب الديمقراطية والوطن.
الهوس بترمب يولّد جميع أنواع التفكير بالتمني والإسقاطات حول الانتخابات المقبلة من قِبل منتقديه (الذين يرون أنه سيحاكَم)، ومن قِبل أنصاره (الذين يتساءلون: هل لا يزال من الممكن انتخابه مجدداً؟). لا يمكن إثبات أي من ذلك، لكن هذا صحيح، فتجاهل ترشيح ترمب لعام 2024 أو كتابة نعيه السياسي هي مهمة حمقاء، فهو ذلك النوع من البشر الذي يتحمَّل الاضطهاد، ويستعصي على الملاحقة القضائية بطريقة يعجز عنها غيره من الشخصيات العامة. بالطبع قد يتغير هذا، لكن ترمب قطة بـ7 أرواح.
في الوقت نفسه، سيكون من الغباء أيضاً افتراض أن مسار ترمب إلى رئاسة أخرى سيكون آمناً وسلساً. فمن الصعب أن تقدم الجديد مرتين، ومن المستحيل أن تقدم القديم في ثوب جديد مرة أخرى.
سجل ترمب الحافل بالإنجازات يذكر الناخبين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية بأيام أفضل، وهي ليست بالبعيدة: الإنجازات في الاقتصاد، والطاقة، والأمن القومي، والصفقات التجارية، وصفقات السلام، وأزمة المخدرات، والحدود الجنوبية. يمكنه أيضاً طرح قضية سيكون لها صدى لدى الجمهوريين حول الظلم والنفاق الناجم عن الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي والتواطؤ التكنولوجي الكبير المزعوم كما تبيَّن مؤخراً. ترمب، كرئيس سابق، يمكن أن يكون مقنعاً أيضاً للناخبين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية، وبعض المستقلين، بشن هجوم مباشر على إدارة بايدن العاجزة عن إدارة الاقتصاد، وفي الإنفاق المتهور وانعدام الكفاءة في مراقبة الحدود ومكافحة الجريمة.
تحقيق ذلك لن يكون بالأمر السهل؛ لأن ترمب لديه الأصول السياسية القادرة على نقله إلى الأمام، وهو أيضاً مثقل بعبء سياسي قد يعيقه. ولكي ينجح، فهذا يعني إهانات أقل ورؤى أكثر؛ بمعنى أن ترتكز حملته على المستقبل، لا الماضي، وعلى معالجة مظالم الناس، لا مظالمه هو، والتفكير في الأميركيين المنسيين الذين أدخلوه إلى البيت الأبيض في المرة الأولى والذين يعانون اقتصادياً في عهد بايدن.
الشعور الشعبي هذه الأيام هو: «أريد سياسات ترمب من دون شخصية ترمب». صحيح أن التوقف عن السباب والشتائم يوفر الوقت والمساحة للإقناع والحلول. ومع ذلك، قد لا يكون من الممكن الحصول على واحدة دون الأخرى، فمن غير الممكن أخذه بمميزاته من دون عيوبه. ترمب كان مزيجاً من الشخصية والسياسة، وهذا ما أجبر المكسيك على المساعدة في تأمين الحدود، والتوقيع على اتفاقيات تجارية جديدة منظمة، وجدد التصنيع والتعدين والطاقة، ودفع باتجاه الإسراع للحصول على لقاحات «كوفيد»، والتباحث مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والتفاوض مع الصين، وهزيمة «داعش»، والتخلص من قاسم سليماني، أقوى قائد عسكري في إيران، وإجبار دول «الناتو» على زيادة إنفاقها الدفاعي، والتصدي لفلاديمير بوتين قبل أن ينال حرية اجتياح أوكرانيا (بعد خروج ترمب من البيت الأبيض).
عندما يتعلق الأمر بدونالد ترمب، فكل منا يرى ما يود رؤيته. فالبعض يراه رجلاً مستبداً، فيما يراه آخرون زعيماً صريحاً وحازماً ملتزماً بلا كلل بمصالح أميركا.
تكمن القضية المرفوعة ضد ترمب 2024 في مزيج من التعب والتخريب الذاتي، والخوف من أنه لا يستطيع تجاوز جبل المشاكل القانونية والدعوة إلى «المضي قدماً»، وهو ما جلب الشعور بأنه المسؤول عن المرشحين الجمهوريين المخيبين للآمال الذين رأيناهم عام 2022، وتصور أن الجمهوريين الآخرين أقل مسؤولية عن عام 2022، وأن لديهم سجلات أحدث كمصلحين محافظين.
كما أنه لن يكون لديه المجال الأساسي الجمهوري، أو مرحلة النقاش لنفسه. إذا تحدى شخص واحد ترمب، فمن المحتمل أن يقفز خمسة أو ستة أشخاص إلى السباق ليحاولوا اختباره أيضاً. من بين المنافسين الرئيسيين المحتملين لترمب حكام يتمتعون بسجلات رائعة، وانتصارات ضخمة في إعادة الانتخاب مثل رون ديسانتيس من فلوريدا، وكيم رينولدز من ولاية «آيوا»، وجريج أبوت من تكساس.
هناك أولئك الذين يرغبون في مواجهة ترمب في المقدمة ومحاولة تحريك الحزب وراءه، مثل حاكم جورجيا، بريان كيمب، والحاكم السابق كريس كريستي من ولاية نيو جيرسي، وهناك أولئك الذين يمكنهم تقديم مطالب مشروعة بالمساعدة في تحقيق إنجازات عهد ترمب، مثل نائب الرئيس السابق مايك بنس، ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو، وهناك آخرون يرغبون في توسيع مكاسب الحزب الأخيرة في الاقتراع في التنوع العرقي إلى المستوى الرئاسي، مثل حاكمي الولاية السابقيْن نيكي هالي والسيناتور تيم سكوت، وكلاهما من ولاية كارولينا الجنوبية.
هؤلاء رجال ونساء جادون وموضوعيون، جميعهم سيشكلون تحسناً مقارنة بعهد بايدن. إلى الآن، هؤلاء المرشحون ليسوا سوى رهانات عمياء يعرض عليهم الناخبون والمانحون كل ما يرغبون فيه في رئيس مثالي، لكن ما من سبيل لمعرفة من منهم يمتلك المعدن والقوة المطلوبة.
دعونا ننتظر لنرى ما إذا كانت الانتخابات الرئاسية لعام 2024 ستكون مباراة لعودة بايدن وترمب، أو مجموعة من المرشحين الآخرين. لقد تحدى كل منهم الصعاب وتغلب على أكثر من اثني عشر منافساً داخل الحزب للفوز بالانتخابات التمهيدية. ويواجه كل منهم الآن دعوات للتغيير وأسئلة حول التعامل مع المستندات السرية، وحول عمر كل منهم.
الفوز بالرئاسة أمر صعب، والنجاح يكمن في وجود مستشارين يخبرونك بما تحتاج لمعرفته، وليس فقط ما تريد سماعه، ويكمن أيضاً في الاستماع إلى الناس الذين يملكون القول الفصل.
8:30 دقيقه
TT
ترمب في الميزان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
