عندما تقرأ أو تسمع مخرجًا يقول عن فيلمه الجديد شيئًا مثل: «فيلمي الجديد هذا هو منحى جديد في حياتي السينمائية» أترك في البال إن ما يبدو له كمنحى جديد هو في الواقع تكرار لقديمه مع بعض التغييرات التي لا تستحق الوصف.
وعندما تقرأ أو تسمع مخرجًا يقول «فيلمي المقبل سيكون مفاجأة على أكثر من صعيد»، توقع له الفشل على أكثر من صعيد. المفاجأة الوحيدة التي قد يمتلكها مثل هذا الفيلم هو أن يأتي أسوأ من سابقه بالنسبة للمخرج.
كثير من المخرجين لا يعرفون التواضع وإذا عرفوه لا يعرفون استخدام كلمات متواضعة لوصف أفلامهم. وكم من مرّة سمعت مخرجًا يقول: «فيلمي يكسر قواعد السينما» أو «فيلمي يختلف عن كل ما قدمته السينما من قبل».
هل شاهد ما قدّمته السينما من قبل؟ هل المقارنة محدودة بأفلام الجوار أو أنه يقصد العالم بأسره؟ وما هي هذه القواعد التي سيكسرها؟ ألا يخاف أن لا يستطيع كسر شيء باستثناء قيمة الفيلم الفنية؟
المشكلة متعددة الرؤوس ككثير من مشكلاتنا هذه الأيام. هناك عالم جديد تم بناؤه على «الأنا» ومنحه فرصة تحقيق أحلامه بالنجومية ولو لبضع ثوان في كل مرّة. نجومية الـ«فيسبوك» و«الإنستغرام» والـ«تويتر». نجومية افتراضية تحيط بك طالما أنت على صفحة الإنترنت تعكس رأيًا أو تنظّر في مفهوم ما أو تحاول أن تمنح لنفسك حضورًا كون لا أحد آخر يمنحك هذا الحضور.
وهم، أهل الفن عمومًا، يرقصون بلا دف. لا يحتاجون إلى نوتة موسيقية لكي تثير نرجسياتهم فتندلع في أول فرصة وتمتلئ الصحف بكلمات من نوع: «أسعى لتحقيق فيلم عالمي من بطولة توم كروز» أو «فيلمي المقبل سيحيي السينما العربية» (هل هي ميّتة؟ إذا ما كانت فلا يوجد فيلم يستطيع إحياءها). وأحدهم تقدّم مني في مهرجان «كان» الماضي وقال: «انتظرني في فيلمي المقبل وستجد أنني تجاوزت أهم مخرجي أميركا».
حيال ذلك تعودت أن لا أضحك بل أتجهم، فإذا بالقائل يعتقد أنني صدّقته. وما يقوله يستحق الاثنين معًا الضحك والتجهم، وهذا هو التحدي الكبير: كيف تضحك وأنت متجهم.
قبل سنوات قليلة طلب مني مخرج جديد مشاهدة فيلم له وما كاد الفيلم أن ينتهي حتى وجدته أحاطني كما لو كنت شاهد جريمة قتل يريد حلّها. سألني رأيي فقلت له: «هل أنت مستعد؟». أجاب: «يبدو أنك لا تعرفني. أنا إنسان ديمقراطي مائة في المائة. هات ما عندك». حسنًا.. تشجعت وبدأت. هي ثلاث كلمات أو أربعة قلتها وقاطعني قائلاً: «لا أنت غلطان». قلت له: «بالفعل أنا غلطان» لكني قصدت أنه غلط آخر غير الذي في باله.
ربما هي الحاجة للظهور وللإنجاز من دون توخي القدرة على ذلك أو العناصر الصحيحة لهذا الأمر. يبهرك الفيلم الذي لا يدّعي مخرجه بشيء إذا رأيته قبل أن تسمع به كثيرًا. ويؤذيك فيلم يأتيك بالطبل والمزامير وبالكتّاب الصحافيين الذين يمشون في ركب التهليل وتاريخ السينما عند الاثنين، هذا النوع من المخرجين وهذا النوع من الصحافيين، يبدأ بهم وينتهي.
صحيح أن النرجسية موجودة في كل مضارب الحياة وأن الذين يمعنون النظر في المرآة أكثر ممن يمعنون النظر في الحقائق، إلا أن السينمائيين منهم هم نموذج من نوع خاص.
8:30 دقيقه
TT
فيلم ولا كل الأفلام
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
