مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

جلد ما هو جلدك جرّه على الشوك

بالأمس القريب أتاني أحدهم مفضفضًا وشاكيًا وهو يكاد يبكي، لولا أنني كبحت جماحه، لأنني فعلاً «لست بناقص من تكدير مزاجي».
وعرفت منه على عجل أن له قضية في المحكمة تتداول بين أخذ ورد، وتسويف، وقضاة يذهبون، وقضاة يأتون، وقضيته ما زالت (معصلجة) تراوح في مكانها منذ 17 سنة، على حد قوله.
فطبطبت على كتفه قائلاً له: هون على نفسك، لا تيأس، لن يضيع حق وراءه مطالب، حتى لو مت أنت، وحتى لو مات أولادك، فهناك أحفاد لهم سوف يحملون الراية. وأتبعت كلامي له معزيًا وأنا أقول: هل تعلم يا حبيبي أنه انتهت في (بوني) بالهند أخيرًا أطول دعوى قضائية ظلت بين أخذ ورد 811 سنة؟ وهذه الدعوى قد فصل فيها أخيرًا عندما تلقى صاحبها (باتولوجي توراث) حكمًا لمصلحته، في القضية التي رفعها أحد أسلافه القدماء، ويُدعى (مالوجي توراث) في عام 1205. وأنت جالس أمامي الآن تلطم كأي قرد، وكأن الدنيا قد (تطربقت). يعني إيه يا أخي 17 سنة؟! ألا تستحي من نفسك يا رجل؟! قل الحمد لله، وقم واطلع، الله لا يبارك فيك ولا في وجهك العكر.
انتهى كلامي مع ذلك الخيبان وذهب وهو مكسور الخاطر، ولكن والحق يقال إن بعض قضاتنا الأشاوس يؤجل الواحد منهم القضية تلو القضية حسب مزاجه الشخصي بالستة أشهر، وكأنها ست ساعات، متأسيًا بالمثل القائل: (جلد ما هو جلدك جرّه على الشوك).
***
علمتني الحياة أن لا أكون شهمًا أكثر من اللازم، فالشهامة والتضحية تكونان أحيانًا وبالاً على من يفعلهما، وأبسط مثال هو ما حصل لرجل مجري كاد يلقى حتفه لولا عناية الله، فقد قام بشهامة ونبل بالنزول في حفرة عمقها 20 مترًا لإنقاذ كلبة استنجد أهلها وعندما نزل ربطها بحبل، وتم إخراجها بالسلامة.
لكن أصحابها عندما شاهدوا كلبتهم تخرج سليمة، من شدة فرحتهم بها، نسوا المسكين، فركبوا سيارتهم وانطلقوا تاركين الرجل يصرخ ويولول دون أن يسمعوه، وظل على هذا الحال ثلاثة أيام بلياليها، لولا أن مر بالصدفة بعض الأشخاص وسمعوا استغاثاته، وأبلغوا عنه، وهب لنجدته عشرة رجال من الإطفائيين وأخرجوه وهو في الرمق الأخير، وظل في المستشفى أسبوعًا كاملاً وهو بين الحياة والموت، وعندما خرج كتب شكوى ضد (المجهولين) الذين أخرج لهم كلبتهم وتركوه.
وهذه هي نهاية (الشهامة)، ونصيحتي لكم: كونوا على مبدئي، لو أن أحدكم شاهد امرأة وليست كلبة تسقط في حفرة وتستنجد به، عليه أن ينظر لها مليًا ويقرئها السلام، ثم يمضي في حال سبيله.