إيفان كراستيف
كاتب في «نيويورك تايمز»
TT

لماذا أخفقت ثورات «تويتر»؟

بعد وقت وجيز من انقلاب نابليون الثالث في عام 1851 في باريس، انطلق خمسة من أصحاب أعظم العقول السياسية في العالم إلى مكاتبهم لتدوين فحوى الأحداث الجارية من حولهم.
وكان الرجال الخمسة متباينين أشد ما يكون التباين. كان كارل ماركس شيوعيا. وكان بيير جوزيف برودون فوضويا. وكان فيكتور هوغو، أشهر شعراء فرنسا في وقته، رومانسيا. وكان ألكسيس دو توكفيل ووالتر باجيت ليبراليين. ولكن من زاوية الرجل الذي اعتبر رأس زوجته مجرد قبعة، فإن الرجال الخمسة جميعهم أساءوا تقدير نهاية الموجة الثورية الأوروبية التي امتدت ثلاث سنوات، معتبرين أنها مجرد البداية.
فهل وقعت وسائل الإعلام الغربية في ذات الخطأ خلال السنوات الأخيرة؟ وهل تفسيرات الموجة العالمية من الاحتجاجات الشعبوية - التلقائية، واللاقيادية، وغير العنيفة، والتي وصفهم توماس فريدمان بعبارته الشهيرة «شعب الميادين» - أي الاحتجاجات من دون قاعدة انطلاق موحدة؟ يبدو الأمر فعلا كذلك.
قبل عامين ونصف العام، أثارت الاحتجاجات الشعبوية في متنزه جيزي في إسطنبول، وأماكن أخرى، خيال الغرب. حيث إن المواطنين من مختلف التيارات والأجندات السياسية تمكنوا من تشكيل لغة مشتركة تبعث برسالة موحدة. وحتى أن المتشككين وقتئذ اتفقوا على أن الاحتجاجات نجحت فعلا في تغيير الوجه السياسي للبلاد. وجاءت نتيجة الانتخابات البرلمانية التركية في يونيو (حزيران) لتؤكد هذه النقطة.
لكن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الأسبوع الماضي تعكس هشاشة نجاح النزعة الاحتجاجية، حيث أثبتت نجاح استراتيجية المواجهة المفتوحة التي اعتمدها الرئيس إردوغان. لقد راهن الرجل على الانتخابات الجديدة وكسب الرهان، ما أدى إلى إزاحة نتائج الصيف الماضي.
ولا يتعلق الأمر بتركيا فحسب؛ فالاحتجاجات الضخمة التي اندلعت في موسكو في شتاء عام 2012 لم تُسفر عن تحطيم دولة فلاديمير بوتين، بل أدت إلى تعزيز قبضته على مجريات الأمور في البلاد.
وأينما شخصت ببصرك، قلما تجد أن الحركية المشتعلة عبر مختلف مسارات ما سماه عالم السياسة المعاصر فرنسيس فوكوياما «ثورة الطبقة الوسطى العالمية» قد قُدر لها الاستمرار. وفي أكثر الحالات مأساوية، حيث تمخض عن ثورات الربيع العربي أسوأ ما شهده العالم بأسره: الحرب الأهلية المقترنة بالدول الفاشلة في سوريا، إلى جانب ليبيا واليمن.
وإنه لأمر مغرٍ بحق ذلك الاعتقاد بأن تلك المنعطفات اليمينية، أو التحولات الرجعية، ما هي إلا مجرد نتاج محض لقهر الدولة وتلاعبات السلطة. مع كامل التأكيد على أن التلاعب والقهر يفسران الكثير مما شهدناه على أرض الواقع.
الواضح الآن أن موجة الاحتجاجات العالمية أدت إلى نشوء حالة الاستقطاب الشديدة داخل المجتمعات، ولكن يمكننا القول إن «حزب دعاة الاستقرار» وليست «شبكات الأمل في التغيير» هو من أفاد بحق من ذلك الاستقطاب الداخلي. وأينما تجول أحدنا بناظريه، فإن الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي أشعلتها موجة الاحتجاجات الشعبوية أسفرت عن مزيد من الالتفاف والتوحد حول كيان الدولة والزعيم الوطني أكثر من تحقيقها للديمقراطية والتعددية المنشودة.
سببت تلك الحركة الارتجاعية العنيفة تحولات شديدة في النظام الجيوبوليتيكي عالميا. فالحملة العسكرية الإردوغانية القاسية ضد الأكراد، تلك التي زادت من تعقيد الوضع المأزوم بالأساس في الداخل السوري، لم تكن في حقيقة أمرها إلا جزءا من حملته السياسية المنهارة. ومن المتعارف عليه طرح السؤال التالي: لماذا نشهد ذلك التراجع المزري في «ثورات (تويتر)»؟ غير أن السؤال الأكثر إلحاحا في ذلك الصدد هو: لماذا تأصلت لدينا بالمقام الأول قناعة أن ثورات ذلك العالم «الافتراضي» كان مقدرا لها النجاح منذ البداية؟
لدينا ثلاثة عوامل من شأنها تفسير السبب الكامن وراء الإخفاق المريع لأكثر المعلقين السياسيين شهرة، أمثال ماركس وهوغو منذ عام 1851، عن التبصر بالحقيقة الماثلة أمام العيان. أحد تلك العوامل هو حالة النرجسية السياسية الغربية القميئة التي تأصلت جذورها في حقبة ما بعد الحرب الباردة، والتي بدت فيها وبحق أن الديمقراطية التعددية كانت على مسارها الصحيح. نزعت عنا تلك النرجسية السياسية المقدرة على إلقاء نظرة نقدية متفحصة إزاء أي لاعب سياسي كنا نظنه مولعا بنموذجنا السياسي المعلن. افترضنا فيما بيننا أن مجرد مماهاة الممارسات السياسية وتقليد المبادئ الغربية هو طريق الضمان الأكيد نحو نجاح ديمقراطي مقصود.
كان هناك أيضا ما نعرفه باسم التحول المعياري الخطير في العلوم السياسية الأميركية. ذلك الذي قلّص من مستوى وعينا وإدراكنا للمشاكل الاجتماعية والعالمية شديدة التعقيد، وتبسيطها إلى مجرد سلسلة من الترابطات والتشابكات التي طمأنت الوجدان لدينا أن، ومن بين أشياء أخرى، الديمقراطيات أبدا لا تقاتل بعضها بعضا، وأن الديمقراطية تنزع الفقر، وتجلب الثراء للدول، كما أنها تمحو عنها وصمة الفساد، وأن كل دولة هي في طريقها نحو الديمقراطية الفاضلة. أليست هي الغائية الليبرالية التي قفزت محتلة موضع الغائية الماركسية؟
أخيرا، كنا أسرى إغراءات «تأثير وادي السليكون»، من واقع أن مبادئنا، وأفكارنا، واستراتيجيات تحركاتنا للتغيير الاجتماعي المنشود لم تكن خاضعة لتجارب وخبرات التاريخ بقدر ما كانت منجذبة نحو إمكانات وقدرات طوباوية عالم التقنية المثير. حاصرنا أنفسنا خلف ذلك الاعتقاد حتى فشلنا في مجرد الوقوف على نقاط ضعف وهشاشة حركات الاحتجاج الشعبوية الجديدة، ما أدى إلى إساءة تقديرنا لآثارها الحتمية على مجتمعاتنا. أجل، يمكنك التغريد لإشعال ثورة، غير أنه لا يمكنك التغريد لإقامة حكومة، والكثير من حركات الاحتجاج الشعوبية الجديدة تسدد أثمانا باهظة للغاية لقاء نزعاتها المناوئة للمؤسساتية في المجتمعات.
سقطت تلك الاحتجاجات ضحية المفاهيم العصرانية المؤنقة: إن المؤسسات صارت من زبالات التاريخ، وإن الشبكات هي المعبر الحقيقي عن مستقبل الشعوب، وإن الدول لم تعد ذات أهمية تذكر، وإن العفوية والتلقائية هي المصدر الحقيقي للشرعية!
إن التعطيل، كما نعلم جميعا، يحمل قيمة عالية جدا في مجتمعات التقنية الحديثة، ويلعب كذلك دورا حيويا وخطيرا في انهيار الشركات. ولكن المجتمعات لا تتألف من المبدعين فحسب، وفي أغلب الأحيان، فإن الطلب على التغيير المستمر مع المهللين للتدمير البناء يخلقون بأنفسهم في نهاية المطاف المطلب الحقيقي الملح للاستقرار المجتمعي. يدرك الرئيس بوتين والرئيس إردوغان، وغيرهما من الساسة، تلك النقطة إدراكا تاما، حتى إذا قصر إدراك المحتجين، كما أن الساسة يتحلون بصبر عجيب حتى تسنح اللحظة المناسبة لإعادة تأكيد قبضتهم وسلطانهم.
* خدمة «نيويورك تايمز»