سألني قارئٌ عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم «العدالة» في التراث العربي - الإسلامي، ونظيرِه في الفلسفة المعاصرة... هل نريد القول إن المفهومَ الأولَّ أدنى مستوى أو أضيق دائرة؟
وقد أجبته بأن «العدل» قيمة عليا مجردة، فهي سابقة على الدين والقومية وكل انتماء آخر. ربما يُدخل الدينُ تعديلاتٍ معينةً على مفهوم العدل أو تطبيقاته أو حدوده، لكن أصله يبقى مجرداً، فليست لدينا عدالة دينية وأخرى غير دينية، أو عدالة عربية وأخرى أعجمية.
وذكرت سابقاً أن مفهوم العدل قائم على أرضية المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات... قد يتضمن تعديلاً على المساواة، بزيادة هنا أو تنقيص هناك، من دون التخلي تماماً عن قاعدته الأصلية. ولذا لا نقول إن العدالة الأوروبية؛ مثلاً، أعلى شأناً من العدالة الإسلامية، كما لا نقول إن العدالة الإسلامية أعلى شأناً من نظيرتيها اليونانية أو الرومانية أو غيرهما. إنما هي تطبيقات مختلفة للعدالة، تتناسب مع أعراف زمانها، وما يفرضه الوضع الاجتماعي من إلزامات، كما تتلاءم مع توقعات الناس في هذا الإطار.
- حسناً... ما الذي يدعونا لهذا الكلام؟
الداعي لهذا الكلام هو ما أراه من ربط متكلف بين القيم العليا الإنسانية، ومقتضيات الهوية والانتماء، التي تلبس في غالب الأحيان عباءة الدين أو الاعتزاز القومي أو الوطني أو غيرها...
نحتاج إلى التأكيد دائماً على أن القيم العليا مجردة، بمعنى أنها في مكان مختلف عن النظم والآيديولوجيات والانتماءات والعقائد. هذا التأكيد ضروري؛ لأن تلك القيم شرطٌ لكرامة الإنسان وكمال إنسانيته... وأهمها العدالة والحرية والمساواة والتضامن الإنساني والنظام. هذه القيم مبجلة ومدروسة جيداً منذ أقدم الأزمنة، وقد عرفها الإنسان بوصفها لوازمَ للعيش، مستقلةً عن الأديان والانتماءات القومية والقَبَلية وغيرها، حتى قال بعض الأساتذة إنها جزء من الفطرة، بمعنى أنها موجودة في ذهن الإنسان عند ولادته. لكني لا أميل إلى هذا الرأي.
ويعرف الذين درسوا الفلسفة اليونانية أن نقاشاتها ومعالجاتها مفهوم العدالة والفعل العادل، قد أثرت في الفكر الإنساني بعامة، بما فيه الفكر الإسلامي. كذلك الحال بالنسبة إلى الفلسفة الصينية والهندية، ولاحقاً الإسلامية، التي أثر جميعها في الفلسفة الحديثة. بعبارة أخرى؛ فإن مفهوم العدالة بذاته كان مطروحاً للنقاش منذ زمن بعيد جداً، وقد توسع مع الزمن وتكرار تجربة الإنسان ومعارفه وتطلعاته. وبناء عليه؛ نقول إنه لا تصح نسبة القيمة المجردة إلى دين أو قومية أو مذهب أو غيره، فهي تبقى مشتركاً إنسانياً، تقبله جميع الأديان بما هو ومن دون وصف. ولا نعرف ديناً أو آيديولوجيا أو تياراً فكرياً أو سياسياً، في قديم الزمان وحديثه، يقول صراحة أو ضمناً إنه يرفض العدالة أو يعارض تطبيقها. مع أنه قد يقترح نماذج تفرغها من مضمونها لو استطاع، أو ربما يربطها بشروط خاصة مثل تقسيم الناس إلى مستحقين للعدل وغير مستحقين. هذه الالتفافات دليل على أنه لا يمكن رفض العدل أو إنكاره؛ لأنه قيمة مستقرة في أوائل العقول كما يقولون.
زبدة القول إذن نقطتان: الأولى أن العدلَ قيمةٌ عليا، وأن الالتزامَ بها والدعوة إليها علامةٌ على اصطفاف الإنسان في جانب الخير وأهل الخير. الثانية: أن العدلَ في زماننا أوسعُ نطاقاً وأعمقُ تناولاً لقضايا الإنسان؛ نظراً إلى اتساع حياة الإنسان وتوقعاته. إنسان اليوم يرفض أن يُقتل البشر أو يُعذبوا أو يهانوا، مهما كان السبب؛ لأن حياة الإنسان وكرامته باتت مصونة في العرف الاجتماعي والقانون. أي إن ذلك الفعل يعدّ الآن ظلماً حتى لو أتى فاعله بتبرير، بينما يخبرنا التاريخ أن فعلاً كهذا جرى تكراراً، وعدّه أهل ذلك الزمان فعلاً عادياً. ومثله المتاجرة بالبشر والسخرة، وأمثالهما. فهذا مؤشر على أن «مفهوم العدالة» و«تطبيقاتها» يتطوران بين زمن وآخر، بوصف ذلك انعكاساً لتطور المعرفة والعلاقات في المجتمع البشري.
