سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

ولا ولن

استمع إلى المقالة

قامت حرب أكتوبر في غزة على أساس استباقية استراتيجية باعتبار أن إسرائيل كانت تعد لاعتداء. كانت النتائج تحويل غزة إلى ركام، ولكن أيضاً الفوز بالرأي العام العالمي. كما تم الفوز بأكبر أصوات للدولة الفلسطينية والمزيد من خسائر الأرض أمام المستوطنات. وانتقلت المسألة من حرب في غزة إلى حروب في الضفة وفي لبنان وفي إيران وفي الخليج: وعاد الاحتلال وبطش الاحتلال وعشرات آلاف المهجرين والجائعين والنائمين على الأرصفة والطرقات. الإسرائيليون ينامون في الفنادق.

كل يوم جبهة جديدة من دون فوز واحد. كل يوم يذهب المفاوضون إلى التفاوض ويعودون بحرب أخرى. وكل يوم يزداد الصراع العربي والعداء وحقول الموت. حتى اليوم نأبى أن نصدق أن الحكمة ليست عيباً، وأن الشجاعة في الحياة أكثر من الموت، وأن أبناءنا ولدوا لكي يعيشوا لا لكي يموتوا.

دخلنا جميعاً أعمق حالة انقسام منذ 1947. منقسمون حتى على الأرض والحق والحياة. حتى على الكرامة والاحتلال. ما من مرة كان مشهد الأمة هزيلاً وضائعاً ومفككاً إلى هذا الحد.

الانقسام القائم في لبنان حول مفهوم الحياة والدولة والإنقاذ والبقاء والعدم، لوحة من لوحات السقوط التاريخي المريع. الأكثر فظاعة أنه مرآة للانقسام العام والسقوط الأكبر. والعقلاء يخفون دموعهم خجلاً مما يشاهدون ويشهدون عليه. أسوأ من الانقسام لغة الانقسام والدفاع عنه والتفاخر به على أنه فضيلة. لا فضائل في الجهل ولا في تخوين العقل والمنطق. لا بد من حرية العقل أولاً ومعها حرية القلوب، لأنَّ من دونهما لا وطن ولا أرض ولا حياة.