في السنتين الماضيتين زادَ عددُ طالبي المعموديَّة في فرنسا، بين البالغين، إلى ضعفِ ما كان عليه في السنوات السابقة. ظاهرة غريبة، تترافق مع طلبٍ متصاعدٍ على دخول الكهنوت بعد شحٍّ في أعداد المؤمنين ورجالِ الدين معاً، طوال العقد الماضي؛ خصوصاً أن الفرنسيين هم من بين الشعوب الأقل تديناً. تستغرب الكنيسة الكاثوليكية لأنَّ غالبية المقبلين على الحياة الكهنوتية الجدد لا يأتون من خلفية دينية، وإنما هو شعور فردي لديهم بالحاجة إلى شيء آخر غير الذي نشأوا عليه.
الظاهرة جديدة للغاية في عدد من الدول الأوروبية. البعض يقول إنَّها ظهرت بعد حَجْر «كوفيد»، وهناك من يعيدها إلى تأثير وسائل التواصل وكثرة المبشرين المؤثرين. ولا يغيب عن البال أنَّ شبابَ اليوم يشعرون بضياعٍ وسط ركاكة فكرية، وانهيارِ سلَّم القيم، وتهاوي المبادئ الأخلاقية إلى أسفل درك.
في ألمانيا وبريطانيا تقاريرُ عن عودةٍ إلى ممارسات دينية بين جيل «زد»، بحيث إنَّ نصفهم باتوا يصنِّفون أنفسهم مؤمنين، بعد أن كانوا لا يتعدون الثلث.
هذا كله حدثَ في ظرف سنتين شاقتين من عمر البشرية، تصاعدت خلالهما الاختلالات، والحروبُ، والشحُّ المالي، والتهديدُ المستمر بأنَّ الآلات ستطرد البشرَ من المكاتب والمصانع، وتعيدهم عاطلين إلى بيوتهم.
سوسيولوجياً، تفسير الباحثِ الفرنسي فانسان غيسيه هو أنَّ الفردية أرهقتِ الشعوبَ الغربية، وباتت في غالبيتها تبحث عن أطر جامعة، بعد أن فقدت في الدول الديمقراطية: الأحزاب بريقها، والنقابات فاعليتها، والمؤسسات الخيرية مصداقيتها.
الشباب الأوروبي يبحث عن «معنى»، وهذا لا يريدونه موروثاً؛ بل يغوصون في رحلة روحانية، بمجهود شخصي. لهذا ثمة شبانٌ لعائلات كاثوليكية يصبحون إنجيليين أو مسلمين، وأرثوذوكس يتحوَّلون إلى الكاثوليكية. فما يهمُّ هو إيجاد هُويَّة تريح النفسَ القلقة التي تسعى إلى جماعة تحتضنها وتعيد إليها الثقة بالحياة.
خلال الفصح القادم، عشرة آلاف شخص بالغ يتهيأون للمعمودية في فرنسا، أي ضعف عدد العام الماضي، غالبيتهم لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين، هذا ليس بلا دلالة.
وبين من يعود إلى القيم الروحانية لإشباع حاجة شخصية، ومن يرى في الدين آيديولوجية جديدة، بدل تلك التي سقطت وتهاوت، تبرز أصناف يصعب حصرها. غير أنَّ ما نراه في إسرائيل من إحياء للمشروع التوراتي التلمودي تستخدمه التيارات اليمينية لتبرير سياساتها التوسعية، هو نمط آخر. نتنياهو يصرِّح بفخر بأنَّه في «مهمة تاريخية وروحية» عبرت العصور، قائلاً إنَّه يتصرف بتفويض من «أجيال متتابعة من اليهود».
نقرأ تقارير بأن أكثر من مائتي شكوى داخل الجيش الأميركي قُدِّمت بسبب استخدام قادة الجيش خطاباً دينياً متطرفاً مستوحى من «نهاية الزمان» في الكتاب المقدس، لتقوية الهمم، وشحذ حماسة الجنود، على اعتبار أن هذه الحروب جزء من الخطة الإلهية.
لم تعد التعابير الدينية على ألسن السياسيين والعسكريين ممجوجة أو مستغربة، بعد أن كانت عيباً دبلوماسياً ومهنياً مشيناً ومنفِّراً.
أزمة الهوية في أوروبا أعطت دفعاً لليمين الشعبوي المتطرف الذي لا يتوانى عن استخدام الدين كرافعة لزيادة شعبيته، وتعزيز الإحساس بالانتماء، مع هجرة تصعب فرملتها أو التخلي عنها. وإذا أضفت إلى كل ذلك المادية البذيئة، والفوضى العالمية، والفساد المستشري، مع حرب أوكرانيا، وإبادة غزة، تجد أنها مجتمعة تعيد بقوة سؤال الأخلاق إلى الواجهة.
ظاهرة تطل برأسها من كل مكان، في أفريقيا، كما في شرق آسيا ووسطها. في الهند يريد متطرفون من الهندوس تحويل البلاد إلى أمة تهيمن عليها دستورياً وثقافياً الهندوسية، غير عابئين بالتعددية. تغيير للمناهج، هدم لأماكن دينية، ضغط على المحاكم، تبديل لأسماء مدن. وفي إسرائيل هناك استغلال للدين لسرقة الأرض.
وبين من يبحث في القيم الدينية عن خلاص فردي في أجواء قاتمة، وأفق مسدود، بسبب قلة الحيلة، ومن يتذرع بالدين وسيلة لتسلق السلطة والاستيلاء على الأرزاق، وممارسة الشعوذة على طريق «مولانا» في المسلسل الرمضاني الشهير، تصبح الأديان جبهة جديدة بالإمكان استغلالها، كما يمكن أن تكون طوق نجاة.
