سماعة وكتاب وتذكرة أتوبيس

سماعة وكتاب وتذكرة أتوبيس

الأربعاء - 6 صفر 1437 هـ - 18 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13504]

تقول إحدى الدراسات إن الإنسان يستهلك من عمره الافتراضي أكثر من 30 يوماً، مقدار انتظاره على أرصفة القطارات والحافلات العامة.
وتقول التجربة الحياتية في القاهرة ، إننا نستهلك أكثر من 4 ساعات يوميا في رحلات الذهاب والإياب من والى العمل ، وقد تزيد عدد تلك الساعات وفقاً لحالة الطقس والمرور ورضا الأم أيضا.
فمن علامات رضا الأم على أبنائها، أن يكون طريقه" سالك" في شوارع المحروسة.
يقبض الانتظار على الروح بيد شائكة عنيفة ، لا تعرف معنى للرحمة والإنسانية ، ولكن هناك العديد من الوسائل التي قد تبدو تافهة وبسيطة لمقاومة الانتظار والزحام ، منها قائمة موسيقية تفضلها على هاتفك ، ومعها التعرف على مجموعات الأصدقاء الصامتين من حولك ، ففي كل مكان في هذا الكوكب لديك أصدقاء، نعم شركاء اللحظة والعربة والقطار ، رفقاء المقهى والمكتبة التي تتردد عليها كل شهر ، تعرفهم وتميزهم، ويعرفونك ولا تتحدثون مباشرة ، لكنكم تدعمون بعضكم البعض في لحظات الانتظار.
أمضيت 4 سنوات ، استقل حافلة 358 من ضاحية المعادي (جنوب القاهرة) إلى ضاحية المهندسين (محافظة الجيزة)، هذه الحافلة الشبه مكيفة توطدت علاقتي بها لدرجة أني حفظت وجوه سائقي الحافلة بفتراتها الصباحية والمسائية ، بألوان قمصانهم وأحذيتهم البالية.
أصبحت اعرف كل سائق من أين يحصل على وقوده وسجائره وشطائر إفطاره وشايه الكشري الحبر.
من منهم لطيف ويقبل تحية الصباح ومن منهم بائس يائس يوزع طاقته السلبية على الآخرين كل صباح من أجل المناكفة وان "مفيش فكة".
أسبوعياً ولمدة خمسة أيام استقل الحافلة من أمام مطعم شهير بالحي الهادئ، في الشتاء ينتظر معي على الرصيف طلاب الهندسة بجامعة القاهرة ، حاملين دفاترهم ومساطرهم (T) العجيبة ، وأيام الامتحانات اسمع قرمشة قضمهم للورق لعل المعلومة تستقر في المعدة بدل الدماغ.
ويبقى اننا لا نعرف بعضنا البعض ولكن نعرف بعضنا البعض.. نتأكد من حضور الجميع، فكلنا ننتظر على ذات الرصيف ، فاليوم مثلا يغيب ذو البدلة الرمادية ، هذا الأربعيني الطويل صاحب أطول أطراف رأيتها في حياتي؛ فحين جلست بجانبه مرة شتت انتباهي عن محطة نزولي، ودائما ما ينفصل عن العالم بوضع سماعته الصغيرة في أذنيه لكنها غير أصيلة ، فاسمع معه إجباريا لجورج وسوف.
أما الرجل الأصلع الودود الذي يندهش أحيانا إذ ما تغير طلبي من الكشك ، من حليب بالفراولة إلى عصير برتقال ، يحمل شمسية ملونة صغيرة طوال فصول السنة.
هؤلاء الصامتون المتابعون بأعينهم أحيانا افتقدهم وأحيانا لا أطيقهم، إلا أنهم يهونون الوحدة، وحدة المكان لا الوقت، فوحدة الوقت لا يهونها أحد مهما فعل من أجلك.
ولكنك تستطيع أن تمارس تمارينك البشرية في مراجعة أصل الوجوه التي تراها يومياً بشكل متكرر لمدة طويلة، ستجد نفسك تميز فلانا وفلانة في أماكن أخرى ، ستعرف انه هذا الذي يركب معك وتلك التي اشتبكت مع سائق الحافلة من يومين ، وبحسبة منطقية بسيطة ، فانك تقطن في قائمة احدهم الآن - فكل عين لديها كاميرا ربانية صغيرة دقيقة جداً تصور ما يحدث من حولك وما تطرف به عيناك بقصد أو عن دون قصد.
فهناك حكمة إلهية إننا لا ندري أحيانا حتى لا نصاب بالحول والجنون، كلنا وجوه تقابل وجوها في كل فمتوثانية من اليوم.
ومن جماعة أصدقاء الحافلة الدائمين امرأة كانت تثير إعجابي (طنط أم وفاء) هكذا أطلقت عليها ، سيدة في الخمسين تحارب التجاعيد فدائما في يدها شنطة بلاستيكية مليئة بالكريمات ومستحضرات التجميل وتلف غرة شعرها الأمامية كل مساء قبل النوم "يتضح جداً آثار ذلك على جبتها". تصف خصلات الغرة المصبوغة شعرة بجانب شعرة في دقة مبالغ فيها، محذرة الرياح العابرة من العبث بالخصلات لتخرج للجمهور المشاهد من حجابها الشفاف.
في بداية علاقتي بها، كانت تساعدني في توصيل النقود للسائق و"تزغرلي" برجفة من الجفن الشمال ، ثم أدركت أنها حركة لا شعورية تصدر منها للجميع ، فأحببتها أكثر مما ينبغي، ولعبت معها لعبة الوجوه "تشبه لمين؟" فأيقنت أنها تشبه زميلة أمي في كلية الهندسة ، فهي كانت امرأة ذات غُرة أيضا.
في ذات مرة تناقشنا حتى مقر عملها عن رواية كنت اقرأها للأديب المصري بهاء طاهر ، كانت المرة الأولى التي اسمع فيها صوتها ، وكيف مستها الرواية التي تحكي عن حياة الاغتراب بعيدا عن الوطن.
صباح احد الأيام تشجعت وألقيت عليها تحية الصباح ، فأومأت برأسها في هدوء كانت ترتدي الأسود ولا تضع المساحيق المعتادة.
في هذا المشوار رأيتها تبكي ، تدمع عيناها طوال الطريق ، تفرك أصابعها في بعض وكأنها على وشك الانفجار. كنت على بُعد خطوة من أن اذهب إليها واسألها مالك يا طنط إلا أنها نزلت في غير محطتها.
ألقيت لها "خلي بالك من نفسك" من النافذة ، فهي جملة حنونة ، تمس الروح بأطراف الأصابع وكأنها كف اليد الدافئ الذي يطبطب في أوقات غير مقصودة.
لم أري طنط أم وفاء بعدها لشهور، وصدقاً كنت أبحث عنها صباح كل يوم في كل الوجوه ، إلى أن رأيتها يوماً بعد مرور سنة تقريباً في أحد المتاجر التسويقية الكبرى ، تدفع عربة البقالة والى جانبها رجل وسيم يحمل طفلة صغيرة .
ابتسمت في سري "دي أكيد وفاء بنت طنط أم وفاء".


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة