حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

طرح القضية!

تتوالى الاجتماعات الجانبية والخطب والكلمات الرئيسية ضمن التجمع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأتابع العناوين الرئيسية للمواضيع التي يركز عليها قادة الدول الكبرى مقابل المواضيع الأخرى التي يتبناها قادة دول العالم الثالث أو أصحاب الاسم المعيب والغريب.. الدول النامية. فتجد أن الدول الصناعية تركز وبشكل هائل على قضايا معينة ومحددة وذات بعد اجتماعي وبعد إنساني مستقبلي مثل قضايا الاحتباس الحراري والتأزم الهائل في حال المناخ العالمي، وكذلك قضية الفقر والفجوة الثرائية بين الأغنياء والفقراء، بينما تنحصر قضايا دول العالم الثالث في قضايا محددة وخاصة، لا تتفاعل معها حكومات وشعوب الدول الأخرى.
الفريق الأول يقدم قضايا عامة وشمولية تعني وتهم الكل والجميع معني بها. حتى قادة الأديان يدعون للحديث بصفتهم «صوت الضمير» كما يروج لها في أروقة الإعلام العالمي ويكون الطرح عامًا عن قضايا الخير والسلام وبغض العنف والتشدد وعدم المساس بكيان الأسرة والقيم المجتمعية، وهي محاور «عامة» يتفق عليها القاصي والداني ولا يمكن إلا أن تلقى القبول والترحيب.
كل قضية لا يتم «إتقان» فن تسويقها وترويجها سيكتب لها الفشل الذريع ولا ريب. أي قضية تطرح ولا يمكن توسيع قاعدة المستفيدين منها وتكبير قاعدة المتضررين في حالة فشلها لن يكون من الممكن أن تنتشر كقضية عامة وتنال التداول والاهتمام والمتابعة العريضة التي تجعلها مقبولة ويتم الدفاع عنها بالشكل اللائق. ولعل هذا الأمر كان أحد أهم أسباب عدم نجاح دول العالم الثالث في طرح قضاياهم ونيل التعاطف العالمي معها، فالطرح لا يزال يتم بأسلوب قديم وغير مجدٍ وغير فعال، سلسلة من الخطب والكلمات ولقاءات جانبية مع فرص لالتقاط الصور الفوتوغرافية للذكرى والابتسامة. الأمر لا يتم هكذا.. هناك جهد إعلامي مكثف مطلوب وترويجي، لا بد أن يتم تسليط الضوء فيه على أبعاد القضية (أيًا كانت) بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والسياسية على ألا يكون هذا الأمر فقط بلسان حال أصحاب هذه القضية، بل بمشاركة شخصيات عامة وفي مجالات مختلفة من دول أخرى لتأكيد أن القضية عامة ولا تخص شعبًا بعينه.
دول العالم الثالث عددها كبير وقضاياها مهمة ولكنها لا تعمل بشكل جماعي ولم تتعود على التعاون بعضها مع بعض لأنها اعتادت على الفكر بأسلوب «أناني» والاعتقاد الفعلي بأن قضاياها هي وحدها المهمة وأهم من كل القضايا الأخرى وهذا بطبيعة الحال فكر أقل ما يقال عنه إنه مأساوي، ولعل أكبر دليل على ذلك هو الحال البائس التي عليه الكثير من قضايا العالم الثالث. وهنا يجب أن أشير إلى مؤسسة كانت تمثل قمة الرجعية والتخلف والفقر والاستبداد والفساد الأخلاقي والمالي (بحسب الغرب تحديدًا) وأعني هنا مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية، يستطيع البابا الحالي بفضل فريقه الإعلامي أن يأسر لب العالم والصحافيين والإعلاميين «الليبراليين» ويبدو أيقونة للعدل والمحبة والسلام والخلاص والضمير، إذن لا بد من تحية لفريقه الإعلامي الذي أشرف على طرح قضاياه عالميًا وغيّر الصورة النمطية وهذا تمامًا ما قصدته. القضية شيء وأسلوب طرحها شيء آخر تمامًا.