يقول جلال أمين في مذكراته، إنه بعد وصوله إلى دولة الكويت، في مطلع السبعينات قد قابل مصرياً أمضى أكثر من عشرين عاماً فيها وأوشك على المغادرة إلى دياره. فسأله عن رأيه بالحياة في الكويت، التي كانت مزدهرة وتُعدّ قِبلة للعرب آنذاك، فقال، «ضاحكاً»: إن «الدخول إلى الكويت كدخول فأر صغير في زجاجة بها قطعة كبيرة من الجبن، أسالت لعابه، وجرى إليها دون أن يفكر فيما إذا كان سيستطيع الخروج من الزجاجة بعد أن يلتهم قطعة الجبن!».
هذه الحكاية الرمزية بغض النظر عن مقاصدها هي في الواقع تصور سياسات الحوافز المادية في بيئات الأعمال حول العالم. فمن المؤسسات ما تتعمد أن تقدم عروضاً مذهلة «تتفوق» على أقرانها في السوق؛ وذلك لاستقطاب الكفاءات.
وهناك سياسة «تطابق ما تعطيه السوق» من حوافز. ومنها أيضاً ما لا يكترث بالسوق إطلاقاً فيقدم أدنى حوافز ممكنة. لا يحدث ذلك مصادفة، بل لكل سياسة منطلقاتها ومراميها.
في المجتمع المهني يحدث ذلك بعيداً عن المزاجية، بل بعد دراسة السوق من جهة معتبرة. وعلى نطاق الشركات نفعل ذلك عبر مكاتب الاستشارات الإدارية الشهيرة عالمياً، ثم نجد أنفسنا كأعضاء مجالس إدارة أمام ثلاثة خيارات على الطاولة، وهي: استراتيجية أن نتفوق على منافسينا lead، أو نسايرهم meet أو نعطي أقل من السوق (lagging behind)، على اعتبار أننا الرائدون في القطاع كله أو لم نعد في حاجة إلى استقطاب جميع المراتب الوظيفية.
ولهذا؛ يجب ألا يستبشر المرء خيراً عندما يسمع أن مؤسسته في صدد دراسة السوق. فهذا لا يعني زيادة في الحوافز بالضرورة.
فما أكثر ما تراجعت الشركات والحكومات بعدما أعدت لهم جهة مستقلة دراسة معتبرة لتكتشف أنها تمنح العاملين لديها أكثر من نظرائها أو منافسيها. فمن الدراسات ما أسهمت في توجه عكسي كتقليص النفقات بعد أن كان الهدف أصلاً زيادة الرواتب والحوافز. خصوصاً عندما يرون أرقاماً من جهة مستقلة تنبّههم إلى مبالغات في قائمة حوافزهم.
وحتى وإن كانت الحوافز مُرضية للبعض، فإن هناك عاملاً آخر قد يصدمهم وهو البيئة أو الثقافة السائدة culture، وهي غير مكتوبة. الثقافة الداخلية شيء نستشعره أو نشمّه في هواء تلك البيئة إما يزيد انجذابنا لها أو ينفرنا بغض النظر عن حوافزها. مثل شدة صرامتها أو حزمها، أو انفلاتها القانوني، أو الأخلاقي، أو انغماسها بحفلات التطبيل والتزلف التي لا تطاق.
