جميلة حلفيشي
إعلامية وناقدة مغربية متخصصة في شؤون الموضة
TT

ليست سرقات.. بل تخاطر أفكار

أثارني اليوم اتهام المصمم روبرتو كافالي، وللمرة الثانية، لنظيره الأميركي مايكل كورس بسرقة تصاميمه واستنساخها. اتهام صرح به في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ويبدو أنه لا يزال يلح عليه، ويعتبره ظلما وتعديا على حقه الأدبي. ورغم أنه من الصعب تحديد ما إذا كان مايكل كورس بالفعل يسرق تصاميم المصمم الإيطالي المخضرم، أم أنه مجرد تخاطر أفكار أو استلهام من أسلوبه، فإن المؤكد هو أن كافالي لن يستفيد شيئا، فالكل أصبح يعرف أن الموضة تقوم على إعادة صياغة القديم وتطويره لمواكبة العصر، مستفيدة من التطورات التقنية. أما الزمن الذي كان فيه أمثال إيف سان لوران يتعذبون لأنهم يتعاملون مع القطعة على أنها تحفة فنية يجب أن تستوفي كل عناصر الإبداع والابتكار، فقد ولى للأسف وحل محله زمن يتكلم لغة الأرقام والتجارة. ففي كل موسم، نلاحظ أنه ما إن تنجح فكرة ما، حتى يتلقفها باقي المصممين ويستنسخونها بشكل أو بآخر في الموسم التالي.
كوكو شانيل، أدركت هذا بحسها وعبرت عنه بقولها إن «التقليد ضريبة النجاح»، وما يحسب لها أنها تقبلته كتحصيل حاصل عوض أن تضيع جهدها في محاربة كل من يقلدها أو يستلهم منها، وهم كثر.
على العكس منها، فإن روبرتو كافالي لا يريد تقبل الأمر، ما يجعله يبدو غيورا أكثر منه مدافعا عن حقه، لا سيما وأن مايكل كورس أصبح مليارديرا بفضل النجاح الصاروخي الذي حققه في العام الماضي، فقد توسعت تجارته وأصبح اسمه على كل لسان، بعد أن افتتح محلات عالمية، مما رفع قيمة أسهمه، على العكس من ماركة «كافالي» التي لا تنمو بنفس الوتيرة وتمر بعدة تغييرات تؤرق صاحبها.
أما من حيث نقاط التشابه بين تصاميمهما، فقد تعود إلى أنها تنطلق من نقطة واحدة وهي الاحتفال بالأنوثة، مع اختلاف في التفاصيل والرؤية. تصاميم كافالي، مثلا، تميل إلى الإثارة، ما يحد من انتشارها لأنها تخاطب امرأة معينة ومناسبات خاصة، بينما جرى ترويض هذه الإثارة في تصاميم مايكل كورس، لتأتي بلغة عصرية تفهمها المرأة، ويمكنها أن تستعملها أيا كانت المناسبة والزمان.
وهذا يعني أن مايكل كورس، وإن كان يعتمد على وصفة مجربة من قبل ومضمونة، فإنه يطورها ويضيف إليها لمسات عصرية تروق للزبون، وتعكس ثقافة العصر التي تريد موضة سريعة وأنيقة في الوقت ذاته. لهذا فإن المتهم الأول هنا هو الجانب التجاري، الذي تترتب عليه ضغوطات كثيرة، بسبب الحاجة إلى مواكبة متطلبات الأسواق العالمية في أوقات محددة ومتقاربة، ما يجعل المصممين في سباق مع الزمن يحرمهم الوقت والتفكير في الجديد. فمعظمهم مطالبون بتوفير ما لا يقل عن ست تشكيلات في السنة، والصراع على البقاء لا يحدده الإبداع بقدر ما تحدده أرقام المبيعات.
وفي هذا الصدد، يحضرني ما قاله الراحل إيف سان لوران، في إحدى المرات بأن النجاح الكبير الذي حققه في الستينات وتوسعه الكبير بإطلاقه خط أزياء جاهزة وعطور ومستحضرات تجميل كان مثل حبل صنعه فتحول إلى مشنقة تخنقه. سيتفق معي الجميع بأن إيف سان لوران كان فنانا بكل معنى الكلمة، بإبداعه وعذابه، لهذا رفض في الأخير هذه الثقافة وفضل الانسحاب بهدوء وكرامة حتى يحافظ على اسمه. ما يشفع للمصممين حاليا أنهم لم يولدوا في زمنه الجميل، وبالتالي فكل المطلوب منهم هو تصميم أزياء أنيقة وتطويرها حسب حاجة المرأة ومتطلبات حياتها. وهذا ما يقوم به مايكل كورس على أحسن وجه في هذه الفترة.