عندما حصلتُ على شهادة الدكتوراه في التاريخ سنة 2013 لم أتوقع أنه خلال عقد من الزمن سيتحول الصراع حول التاريخ - والتأريخ، رغم قلة استخدام الكلمة لدى الناس- إلى أخبار على الصفحة الأولى. ولكن كان هذا هو ما حدث بالتحديد على مدى السنوات القليلة الماضية: انظروا فقط إلى المناقشات الأخيرة حول إرث العبودية في أميركا، وما يمكن تدريسه في المدارس العامة عن مؤسسي الأمة، بل حتى تعريف ماهية الفاشية. إن تفسير الماضي الأميركي لم يكن في الذاكرة الحديثة علنياً أو مثيراً للجدال كما هو الآن.
ربما بدأ الأمر بمشروع «1619» لمجلة «نيويورك تايمز»، الذي سعى إلى «إعادة تأطير تاريخ أميركا من خلال إدراج تداعيات العبودية ومساهمات الأميركيين السود في صميم السرد الوطني» والذي رافق تقديراً وطنياً بشأن العرق. وقد أثار ذلك، ربما بصورة حتمية، ردة فعل يمينية في شكل «تقرير 1776»، وهو جهد استعراضي من توجيه دونالد ترمب. ثم جاءت مجموعة من القوانين في الولايات التي يحكمها المحافظون، في مختلف أنحاء البلاد، التي تهدف إلى تقييد ومراقبة كيفية تدريس التاريخ في المدارس العامة.
التاريخ، كما كتب المؤرخ ماثيو كارب، صار «نوعاً جديداً من الأولويات السياسية» للناس من مختلف الانتماءات السياسية، ووسيلة للصراع: ما القيم التي يجب التأكيد عليها؟ وأيُّ المجموعات المستحقة للتكريم؟ وما المظالم التي يتوجب إصلاحها؟
على نحو مماثل، عكّر الجدال من صفاء المهنة التاريخية. نشر جيمس سويت، رئيس الجمعية التاريخية الأميركية، في أغسطس (آب) الماضي، مقالاً زعم فيه أن السرد الراهن الذي يركز على العبودية الأفريقية كثيراً ما يمثل «محواً تاريخياً وسياسات ضيقة الأفق». أثار المقال عاصفة من اللوم والتأنيب، حيث اتهم العلماء الدكتور سويت بمحاولة نزع الشرعية عن الأبحاث الجديدة بشأن مواضيع تشتمل على العرق والجنس (النوع الاجتماعي)، حتى إن البعض اتّهم الدكتور سويت بالعنصرية الصريحة.
لكن بينما يتصارع الأميركيون على تاريخهم، فإن المهنة التاريخية ذاتها في انحدار سريع، بل ربما نهائي. بعد 12 يوماً من نشر الدكتور سويت مقاله، أصدرت الجمعية التاريخية الأميركية «تقرير الوظائف» الذي يجعل القراءة قاتمة للغاية: متوسط عدد الوظائف الجامعية الجديدة المتاحة ذات العقود الدائمة، وهي الوظائف الآمنة التي توفر الأجور المعيشية والمزايا والاستقرار، بين سنتي 2020 و2022، كان أقل بنسبة 16 في المائة مما كانت عليه الأوضاع في السنوات الأربع السابقة على الجائحة.كما يشير التقرير إلى أن 27 في المائة فقط من أولئك الذين حصلوا على درجة الدكتوراه في التاريخ سنة 2017، حصلوا على وظائف بعقود دائمة كأساتذة جامعيين بعد الدكتوراه بأربع سنوات. فقد نُزعت الصفة المهنية عن عمل المؤرخين، وسوف يصبح الأشخاص من أمثالي، ممن يملكون وظائف ثابتة، نادري الوجود على نحو متزايد في السنوات المقبلة. ويَصدق الأمر على المجالات الأكاديمية كافة، وليس التاريخ فحسب. وكما ذكرت أدريانا كازار، وتوم ديباولا، ودانيال سكوت في كتابهم «الأكاديمية الحرة»، يعمل نحو 70 في المائة من كل أساتذة الجامعات خارج مسار الوظائف الدائمة. ويجني أغلب هؤلاء الأساتذة أقل من 3500 دولار في الدورة الواحدة، وفقاً لتقرير أصدره الاتحاد الأميركي للمعلمين سنة 2020. والوظائف التي كانت تسمح للأساتذة بأن يعيشوا حياة الطبقة المتوسطة باتت تمكّنهم الآن بالكاد من إبقاء رؤوسهم فوق الماء.
إلى مَن نوجّه اللوم؟ شهدت الجامعة الأميركية تحولاً جذرياً في الجيل الماضي. ولتقليل التكاليف، شرع مسؤولو الجامعات في تخفيض الوظائف الدائمة بصورة كبيرة. ومع زوال ضمانات الوظائف الدائمة، انفجر حجم العاملين غير التربويين في الجامعات. وبين سنتي 1976 و2018، «ازداد المسؤولون المتفرغون وغيرهم من المهنيين الذين تستخدمهم تلك المؤسسات بنسبة 164 في المائة و452 في المائة على التوالي، استناداً إلى بحث حول هذا الموضوع سنة 2021. لقد تمت التضحية بالأساتذة على مذبح نواب العمداء».
في الوقت نفسه، وفي محاولة لتمويل الأبحاث التي قد ترجع بفوائدها المالية، ولإظهار قيمتها العملية للسياسيين ولعامة الناس، شددت الجامعات على العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، على حساب العلوم الإنسانية. وكما ذكرت الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، استناداً إلى بيانات من سنة 2019، فإن «الإنفاق على أبحاث العلوم الإنسانية كان يعادل 0.7 في المائة من المبالغ المخصصة للأبحاث والتطوير في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات».
كثيرا ما تُعد العلوم الإنسانية، بما في ذلك التاريخ، هدفاً للسخرية وليست مساراً شرعياً للدراسة. ويكفيك في ذلك مطالعة تصريحات السياسيين: شكّل ريك سكوت، الحاكم السابق لولاية فلوريدا، في سنة 2012 فريق عمل أوصى بفرض رسوم دراسية أعلى على الدارسين الذين تخصصوا في التاريخ، وفي المجالات الإنسانية الأخرى، في جامعات الولاية. وفي سنة 2016 قال مات بيفين، حاكم ولاية كنتاكي، إن الدارسين المتخصصين في «الأدب الفرنسي» لا ينبغي أن يحصلوا على تمويل حكومي لتغطية شهاداتهم الجامعية. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، سنة 2021، سخر رون ديسانتيس، حاكم ولاية فلوريدا، من «الأشخاص الذين يقعون فريسة للديون حتى ينتهي بهم الحال للحصول على شهادات في مثل دراسات الموتى الأحياء». ولا يقتصر الأمر على الجمهوريين وحدهم: فقد أشار الرئيس باراك أوباما سنة 2014 إلى أن «الناس يمكن أن يحققوا الكثير، على الأرجح، من خلال التصنيع الماهر أو الحرف أكثر مما قد يحققونه من شهادة في تاريخ الفن»، وهذا يعني ضمنياً أنه إذا لم تكن الشهادة تُحقق الربح المالي فهي غير مستحقة للعناء. (اعتذر أوباما لاحقاً لمؤرخ الفنون في جامعة تكساس عن ملاحظاته، موضحاً أنه يعتقد أن تاريخ الفن كان موضوعاً قيماً).
ولّدت هذه الاعتداءات المادية والآيديولوجية تراجعاً حاداً في تخصصات العلوم الإنسانية. ففي العام الدراسي 2018 - 2019 حصل 23.923 ألف طالب جامعي فقط على شهادات في التاريخ والمجالات ذات الصلة، وهو ما تشير إليه الجمعية التاريخية الأميركية بأنه «انخفاض بأكثر من الثلث عن سنة 2012، وهو أقل عدد من الطلاب يُمنحون هذه الشهادات منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين».
الواقع أن المجموعات الخاصة، التي كانت تقدم دعماً مالياً تقليدياً وكبيراً لعلماء العلوم الإنسانية الناشئين، تلقّت نفس الإشارة وتوقفت على نحو متزايد عن دعم العلوم الإنسانية والاجتماعية. وأنهى مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية مؤخراً برنامجه الدولي للزمالات في بحوث أطروحة الدكتوراه، الذي موّل خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية أكثر من 1600 عالم يبحثون في «الثقافات غير الأميركية» و«مجتمعات السكان الأصليين بالولايات المتحدة»، مُعلنين أن البرنامج «حقق الكثير من الأهداف التي حددها لنفسه». وعلى نحو مماثل، قررت مؤسسة «فورد» إنهاء برنامج الزمالة الأكاديمي الوطني طويل الأمد للعلماء المهمشين تاريخياً، وذلك بهدف «الاستثمار بشكل أكثر عمقاً في أعمال بناء الحركة»، كما أعلن رئيس المؤسسة.
إنها نهاية التاريخ. ولسوف تكون العواقب وخيمة.
* خدمة «نيويورك تايمز»
