سبق وأن ألفت كتاباً في مدح الفشل، الأمر الذي كان أشبه بسمكة تتغنى بفضائل الماء، لأنني ببساطة أعوم في بحر الفشل منذ فترة طويلة للغاية لا أذكر حتى بدايتها. الحقيقة أن الكثير مما نحن عليه، وما نفعله، وخاصة ما لا نستطيع فعله محدد من قبل أن نولد ـ بناءً على اعتبارات التاريخ والجغرافيا وصعود وسقوط الإمبراطوريات والفكرة المبهمة التي يُطلق عليها «الحظ». أما أنا، فقد أتيت إلى هذا العالم أحمل الفشل في دمي وعظامي، بل وفي بعض الأحيان تراودني تساؤلات حول ما إذا كان جسدي يحمل بداخله أي شيء آخر بخلاف الفشل.
لقد جئت من رومانيا، بلد يبدو مفتقراً إلى الأهمية بقدر ما يبدو ملعوناً، ويبدو كذلك أنه غارق في الفشل منذ أن جاء للوجود. في هذا البلد، يبدو الفشل في كل مكان: في الهواء الذي يتنفسه الناس، والماء الذي يشربونه، بل وحتى اللغة التي يتحدثونها.
ودعونا نتحدث هنا عن اللغة على وجه الخصوص، فالرومانية حلم كل عالم لغويات: فهي لغة تتراكم فيها الطبقات اللغوية فوق بعضها بعضاً، على نحو يشبه الطبقات الجيولوجية، على نحو يشير إلى الجيوش والإمبراطوريات الأجنبية التي احتلت البلاد في وقت أو آخر، عبرت خلالها على عجل من احتلال يوناني وروماني وبيزنطي وعثماني ومجري وروسي ونمساوي ـ مجري، بل وسوفياتي.
وينطبق الأمر ذاته على المطبخ الروماني، الذي يتميز بقدر هائل من الثراء، لأنه يجمع ما بين تقاليد المطابخ الوطنية المجاورة، لكنه يفتقد هوية واضحة خاصة به.
وثمة عدد لا حصر له من الكلمات تعبر عن مفهوم الفشل في اللغة الرومانية، تنتمي إلى أصول مختلفة وتراكيب على درجة عالية من الإتقان لدرجة أنك قد تود الفشل فقط لتحظى بمتعة تحويل تجربتك إلى كلمات. والآن، بالنظر إلى أنني أتيت من هذا المكان، كيف يمكن اليوم ألا أكتب في مدح الفشل؟
خلال الفترة التي ولدت بها، السبعينات، كانت رومانيا في علاقة غرامية عميقة مع اليوتوبيا. الحقيقة أن شيئاً لا يخلق فشلاً أكبر عن السعي المحموم وراء النقاء.
وكلما اقتربت من الكمال، جاء الفشل مروعاً. كان من المفترض أن نبلغ الجنة الشيوعية في أي يوم، حتى في وقت كانت الحياة اليومية للأفراد تزداد بؤساً باستمرار. يوماً بعد آخر، زاد قمع الدولة. وكان كل شيء يخضع للملكية المشتركة بين الجميع، رغم أنه لم يكن هناك الكثير الذي يمكن امتلاكه من الأساس.
وفي الجزء الأكبر منها، جرت إدارة هذه التجربة اليوتوبية من جانب مجموعة من اللصوص، الأمر الذي يبدو لي اليوم ترتيباً منطقياً. في الواقع، المثالية لم تكن يوماً النبات المناسب لزراعته في هذا المكان من العالم.
من جهتها، فعلت الدولة الرومانية كل شيء ممكن ـ من القمع والمراقبة، وصولاً إلى ضرب الشرطة للمواطنين وتحطيم النوافذ في قلب الليل ـ باسم الطبقة العاملة. وأطلق على النظام لقب «ديكتاتورية البروليتاريا». ورغم ذلك، أُبقي على العمال في حالة عميقة من الشقاء والجهل والفقر، وجرى التعامل معهم باعتبارهم عبئاً، وأخبرهم المسؤولون بأنهم محظوظون، لأنه في ظل نظام رأسمالي كانت حياتهم ستكون أسوأ بكثير.
داخل المدرسة، جرت تغطية الكثير من المواد الدراسية، لكن أكثر ما جرى التركيز عليه على نطاق واسع كان فن التنافر المعرفي: بمعنى أن تنظر إلى كل ذلك، وتتظاهر بأنك لا ترى شيئاً. وإذا ما أتقنت هذا الفن، فإنه سيمكنك من النجاة والبقاء على قيد الحياة، رغم أن ذلك سيكسرك بشدة من الداخل. لقد كنت أعيش داخل رواية «1984»، وعرفت هذا جيداً حتى من قبل أن أكتشف وجود هذا الكتاب.
وبمناسبة ذكر الكتب، فإن الأمر استغرق مني وقتاً حتى اكتشافها، وذلك لأنه لو كانت هناك طبقة اجتماعية حتى أسوأ حالاً عن الطبقة العاملة داخل اليوتوبيا الشيوعية، فإنها طبقة المزارعين.
جئت إلى الدنيا في كنف أسرة من المزارعين الذين نالوا بالكاد قسطاً من التعليم، ولم يكن في البيت الذي نشأت فيه ولا كتاب واحد. وفي فترة لاحقة من حياتي، أصبحت أجمع الكتب بصورة قهرية، وجمعت بالفعل الآلاف من الكتب، في مسعى مستحيل لملء الفراغ المؤلم لطفولتي ومراهقتي التي خلت من الكتب.
نظرياً، كان بالإمكان اقتراض كتب من مكتبة القرية، لكن هذا الأمر لم يخل من مخاطر، وكان من الممكن أن يتعرض المرء للعقاب إذا ما ضبط متلبساً بالقراءة. وكانت عمالة الأطفال أمراً روتينياً في هذه الجنة اليوتوبية.
وداخل المنزل الذي نشأت فيه، لم يجر التفوه سوى بكلمات قليلة. الحقيقة أن استخدام الكلمات كان مهمة ثقيلة للغاية لأناس تتمثل مهمتهم الأساسية في ضمان البقاء البيولوجي. لذلك، كانت نظرة غاضبة أو هزة عنيفة أو حتى الضرب من وقت لآخر بدا وسيلة تواصل أكثر فاعلية بكثير. وخلال طفولتي، كان تفاعلي الاجتماعي الأول يتركز في الجزء الأكبر منه على الأبقار التي كنت أتولى رعايتها. في وقت لاحق من الحياة، اتخذت من الكلمات والكتابة حرفة لي، وذلك في محاولة بائسة لإصلاح كل الأخطاء في طفولتي التي خلت من الكلمات.
وبحلول نهاية الثمانينات، شعر بعض اللصوص بالسأم من التجربة الشيوعية، وقرروا أنه سيكون من الممتع أكثر التحول إلى الرأسمالية. وكان هذا الطريق الذي أدى نهاية الأمر لانهيار النظام، تحت وطأة سخافته، وأسقطنا نحن أطفال اليوتوبيا تحت ركامه.
ولن أقول إن هذا الأمر سبب لنا الأذى، لكنه تركنا بعلاقة وطيدة مع الفشل. الواضح أنه بمجرد أن تعيش داخل يوتوبيا، يصبح مصيرك محتوماً، وتحمل خواء هذه اليوتوبيا معك داخل عظامك أينما ذهبت.
وبالنظر إلى تاريخ رومانيا المازوخي، تجذر داخل رومانيا تقليد خطير: أنك تفعل كل ما يمكنك لإقصاء نفسك عن البلاد، والتخلص منها مثلما يفعل الثعبان مع جلده، والسعي لاكتساب هوية جديدة ـ أي هوية.
وبخلاف هبة الفشل الفريدة، يميل الرومانيون للعيش في حالة انفصال مؤلم، ذلك أنهم يرحلون عن مكان ما ويظلون في حالة اشتياق شديد له. ويستخدم الرومانيون كلمة «دور» (تعني الألم)، في التعبير عن هذه الحالة، وهي واحدة من أبرز الكلمات الرومانية. وجرى بناء الكثير من الأغاني الشعبية، وعدد لا يحصى له من القصائد، بل والأعمال الفلسفية، حول هذه الكلمة تحديداً.
وعندما حان دوري لاتباع هذا التقليد، كان القرار بسيطاً نسبياً، وهو الهجرة إلى الولايات المتحدة، وذلك لأنني أدركت على الفور أن ضجة عبادة أميركا للنجاح، وولعها بالتصنيفات والترتيبات والاحتفاء بالمثالية، كان مجرد واجهة. وخلف هذه الواجهة المتفائلة يكمن خوف هائل من الخوف، الفزع من فقدان ماء الوجه واحترام الآخرين والتعرض للنبذ والتهميش. هذا ليس نجاحاً، وإنما هو فشل ـ والخوف الوحشي منه ـ يكمن في قلب الحلم الأميركي. واتضح لي أن هذا البلد يحمل بداخله نزوعا نحو الفشل، مثلي.
8:30 دقيقه
TT
الخوف الوحشي الكامن في قلب الحلم الأميركي
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
