تمثل الصناعة في السعودية أحد الخيارات المتاحة لاستثمار إيرادات النفط في قطاعات اقتصادية منتجة تحافظ على قيمة الإيرادات، وعلى توسيع القاعدة الإنتاجية، مما يقلل من اعتماد الاقتصاد السعودي على الاستيراد الخارجي، ويقلل بالتالي من مخاطر الاعتماد الاقتصادي الخارجي في مرحلة ما بعد النفط؛ إذ إن تنمية قطاع الصناعة من شأنها المساعدة الفاعلة على نمو قطاعات الاقتصاد الوطني الأخرى، نظراً لما للتصنيع من أهمية في مستقبل الاقتصاد؛ إذ تنقسم الصناعات التحويلية في السعودية إلى قسمين: صناعات ذات استخدام مكثف لرأس المال والتقنية الصناعية المتقدمة، وهي الصناعات الكيماوية الأساسية، وصناعات تحويلية خفيفة كصناعة المواد الغذائية والمشروبات، وصناعة مواد البناء والخزف والزجاج، وصناعة المنتجات البلاستيكية، وصناعة المنسوجات والملابس والصناعات الجلدية ومنتجاتها، وصناعة الورق ومنتجاته، وصناعة الأثاث والخشب ومنتجاته، وصناعة منتجات المعادن اللافلزية، وغيرها.
حدد الاقتصاديون مصادر النمو؛ إذ تعود إلى 5 متغيرات، هي التوسع في الطلب الاستهلاكي، والطلب الاستثماري، والتوسع في الصادرات، وزيادة إحلال الواردات، ومن ثم التقدم التكنولوجي من خلال الابتكار والإبداع والبحث العلمي؛ إذ إن هذه المتغيرات تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد السعودي، فقد أكدت خطط التنمية الخمسية التي بدأ العمل بها منذ عام 1970 أهمية توسيع القاعدة الصناعية لتصبح مصدراً أساسياً للدخل؛ إذ تُعد الصناعة مصدراً أساسياً للنمو إذا كان نصيبها في الناتج المحلي الإجمالي لا يقل عن 25 في المائة، لكن البيانات تبين أن مساهمة الصناعة التحويلية في الإنتاج المحلي الإجمالي بلغت نحو 13 في المائة في السعودية عام 2021، استناداً إلى بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2021. ومقارنة بالدول حديثة العهد بالتصنيع، مثل البرازيل وتايوان وماليزيا، فهي منخفضة بالمقارنة مع هذه الدول؛ إذ بلغت في ماليزيا نحو 23.9 في المائة، استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي 2022.
إن ضعف الاستثمار الصناعي هو أهم أسباب كون نمو الصناعة التحويلية دون الطموحات، والسبب الأول بطبيعة الحال ضعف العائد؛ إذ إن المستثمر يبحث عن العائد الأسرع والأعلى. ومن الجدير بالإشارة أن من خصائص الاقتصادات النامية، أن مشكلاتها الاقتصادية تتركز في جانب الإنتاج وليس في جانب الاستهلاك، وذلك بسبب ضعف مزمن في قدراتها الإنتاجية والمنافسة الخارجية؛ إذ يحتاج القطاع الصناعي في السعودية إلى قدرات فنية وتقنية، ويد عاملة مدربة، ومهارات عالية، واستثمارات كبيرة... تتطلب بعض الوقت قبل أن تؤتي أكلها؛ إذ إن هناك فرصة ذهبية حالية لتطوير السياسات الصناعية لإيجاد طفرة صناعية، خلاف سياسات التمويل، كما أن بيد الحكومة أدوات كثيرة للمساعدة على تحفيز الاستثمار الصناعي، بجانب التحفيز المتاح.
في ظل التطورات الاقتصادية الدولية المعاصرة وحسابات المستقبل، أطلقت السعودية الاستراتيجية الوطنية للصناعة، الهادفة للوصول إلى اقتصاد صناعي جاذب للاستثمار، يسهم في تحقيق التنوع الاقتصادي، وتنمية الناتج المحلي والصادرات غير النفطية، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ إذ تتوفر في السعودية جميع الممكنات للوصول إلى اقتصاد صناعي تنافسي ومستدام؛ من مواهب شابة طموحة، وموقع جغرافي متميز، وموارد طبيعية غنية، وشركات صناعية وطنية رائدة، وبالشراكة مع القطاع الخاص ستصبح السعودية قوة صناعية رائدة تسهم في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وتصدر المنتجات ذات المحتوى التكنولوجي العالي.
ويُعد القطاع الصناعي أحد مرتكزات «رؤية 2030»، ويحظى باهتمام كبير؛ إذ أُطلق برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وأُنشئت وزارة مستقلة للاهتمام بالصناعة، وعدد من البرامج والكيانات الأخرى، مما نتج عنه مضاعفة عدد المنشآت الصناعية، بعد انطلاق الرؤية. وستعمل الاستراتيجية الوطنية للصناعة على دفع عجلة النمو في القطاع؛ إذ تركز على 12 قطاعاً فرعياً لتنويع الاقتصاد الصناعي، وتتطلع السعودية من خلال الاستراتيجية إلى تمكين القطاع الخاص، وزيادة مرونة وتنافسية القطاع الصناعي، إضافة إلى المرونة الصناعية، التي تضمن استمرارية الوصول إلى السلع المهمة، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وقيادة التكامل الإقليمي الصناعي لسلاسل القيمة.
ويأتي إطلاق الاستراتيجية متوائماً مع التوجهات العالمية في القطاع، مثل الثورة الصناعية الرابعة، ومستهدفات السعودية والمزايا التنافسية التي تتمتع بها، المتمثلة في الموقع الجغرافي، ووفرة الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، والقدرات البشرية، والقوة الشرائية، والسياسات النقدية المستقرة، علماً أن الاستراتيجية ارتكزت في سبيل تحقيق أهدافها على بناء اقتصاد صناعي مرن وجاذب للاستثمار، وتكوين مركز إقليمي صناعي متكامل لتلبية الطلب العالمي، وتحقيق ريادة في صناعة وتصدير منتجات ذات محتوى تكنولوجي عالٍ، تسهم من خلالها في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، بجانب الوصول إلى اقتصاد صناعي جاذب للاستثمار، يسهم في تحقيق التنوع الاقتصادي، وتنمية الناتج المحلي الإجمالي والصادرات غير النفطية، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».
8:50 دقيقه
TT
الصناعة... المستقبل
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
