بريطانيا: صداع في رؤوس النواب المحافظين

بريطانيا: صداع في رؤوس النواب المحافظين

الأربعاء - 10 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 05 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16017]

نقضِ شهرٌ على توليها رئاسة الحكومة، حتى ارتفعت الأصوات غاضبة مطالبة بمغادرة رئيسة الحكومة البريطانية الجديدة السيدة ليز تراس، ووزير الخزانة السيد كواسي كوارتينغ. اللافت، أن تلك الأصوات الغاضبة، في أغلبها، لم تكن عُمالية، بل من نواب محافظين، وشخصيات معروفة بولائها للحزب، ومن صنّاع الرأي العام، في صحف ومواقع إعلامية تدين بالولاء للمحافظين، ونسبة ملحوظة منهم هم ممن دعموا ترشحها لزعامة الحزب ورئاسة الحكومة. فما الذي حدث؟
بعد أقل من شهر على توليها رئاسة الحكومة، فَقدَ أغلب نواب حزبها الثقة بها، ودخلت حكومتها في حرب طاحنة مع بنك إنجلترا المركزي، وتحرك الاقتصاد خطوات سريعة نحو الهاوية، وانخفضت قيمة الجنيه الإسترليني أمام الدولار على نحو ما حدث عام 1985 وتقلصت شعبية الحزب في استبانات الرأي العام، وزادت شعبية حزب العمال بـ33 نقطة، مما يعني أن حزب المحافظين سيمنى بهزيمة مؤكدة إذا عقدت انتخابات نيابية. فما العمل؟
البعض من النواب والإعلاميين يطالبون بالتريث، إلى نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2023، والبعض الآخر يرى أن التعجيل بإصدار حكم بإقصاء السيدة تراس من 10 داوننغ ستريت وبأقصى سرعة ممكنة، ربما يفيد في تأخير وصول حزب العمال إلى السلطة، وإنقاذ المحافظين من هزيمة انتخابية نكراء عام 2024، شبيهة بتلك التي حدثت عام 1997، إلا أن السيدة تراس ووزير الخزانة كوارتينغ يؤكدان في تصريحاتهما أن لا ضرورة للهلع والخوف، وأن السياسة المالية والاقتصادية المعلنة في الميزانية المصغرة ستؤتي ثمارها في القريب العاجل، وأن ما حدث من اضطراب في الأسواق المالية وانخفاض سريع في قيمة الجنيه الإسترليني ناجم عن قصور في فهم العاملين في تلك الأوساط لطبيعة البرامج الضرائبية والاقتصادية التي طرحتها الحكومة. فمن نصدق؟
من ضمن الحقائق المهمة في العمل السياسي أن الحكومات، على اختلافها، لا تأتي إلى الحكم بهدف إجراء تجارب في مختبرات، بل لتنفيذ برامج سياسية واقتصادية، وأن القرارات التي تصمم وتنفذ من قبلها لذلك الغرض مرهون قبولها شعبياً بمدى قدرتها فعلياً على تحقيق الأهداف المرجوة منها عملياً. الملاحظ، أنه خلال حملات التنافس على الزعامة بين السيدة تراس ومنافسها وزير الخزانة السابق ريشي سوناك، سعت السيدة تراس إلى التقليل من شأن كل المحاذير التي أبانها مراراً السيد سوناك حول مخاطر ما طرحته من سياسات اقتصادية تقوم على محاربة التضخم، من خلال تحفيز الاقتصاد بتخفيض الضرائب، واللجوء إلى الاستدانة لتغطية الفاقد الضريبي في الخزينة العامة. والنتيجة؟
الكرة، الآن، في ملعب السيدة تراس ووزير خزانتها. والتقارير الإعلامية البريطانية على اختلاف مصادرها تؤكد أن المسؤولين والمستشارين والخبراء في 10 داوننغ ستريت فوجئوا برد فعل الأسواق المالية نحو الميزانية المصغرة المعلنة. وسارع البنك المركزي بضخ مبلغ 65 مليار جنيه إسترليني لمنع انهيار قطاع المعاشات، ووعد محافظ البنك برفع سعر الفائدة في الفترة القريبة القادمة لحماية الجنيه الإسترليني، اقتداء بما حدث في أميركا. لكن رفع سعر الفائدة، يقول الخبراء، سيؤدي إلى إنزال ضربة بسوق العقارات بشكل موجع، مما يسبب في انهياره. وما الحل؟
الحلول المقترحة كثيرة. بعضها يطالب الحكومة بسحب الميزانية المعروضة كلية والتراجع تحت غطاء التأجيل. البعض الآخر يرى البدء بإعادة رفع ضريبة الدخل إلى سابق عهدها على أصحاب الدخول المرتفعة. الضريبة المقصودة كانت 45 في المائة وخفضت إلى 40 في المائة. وهناك من يطالب بسحب الثقة من الحكومة كلية وإسقاطها. بعض التقارير الإعلامية تتحدث عن مشاورات تجري وراء أبواب مغلقة بين نواب محافظين ونظرائهم من حزب العمال لوضع خطة تضمن عدم حصول الحكومة على الأصوات البرلمانية اللازمة لتمرير الميزانية. فلمن ستكون الغلبة؟
الحكومة برئاسة السيدة تراس تصر على نجاح خطتها المرسومة، بعد وقت قصير، في حين أن الوقت من ذهب، بالنسبة للنواب المحافظين، وأن كل يوم يمضي من دون إيجاد حلول تضمن تغيير المعادلة الحالية إلى صالحهم على أرض الواقع تعني التضحية بهم، ووضع نهاية لوجودهم تحت قبة البرلمان. ومن الأسهل لهم، بل الأجدى فعلياً، التضحية برئيسة الحكومة وذلك بسحب الثقة منها، ورميها تحت عجلات أول حافلة قادمة في الطريق العام، كما يقال!
لمن ستكون الغلبة في المعركة الدائرة؟ سؤال ليس من السهل التنبؤ بإجابته. وبالمقابل، يمكن القول، إن سمعة حزب المحافظين التاريخية، بكونه الحزب المعروف بحنكته وحذره في إدارة الاقتصاد، هي الخاسر الوحيد حتى الآن، إلى حين تمكن الحكومة من استعادة ثقة الناخبين أولاً، ومصداقيتها في الأسواق المالية ثانياً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو