في الحروب الحديثة، لا تتوزع الأرباح وفق خطوط المواجهة، بل وفق خرائط الجغرافيا الاقتصادية، فالحرب على الأغلب لا تخلق ثروة جديدة بقدر ما تعيد توزيع الثروات الحالية، والقيمة الاقتصادية تتآكل في مناطق الصراع، وتعاد صياغتها في مناطق أكثر استقراراً، ومع كل تصعيد، تتشكل خريطة جديدة للأرباح. فهناك مناطق تتراجع فيها الإنتاجية وترتفع فيها التكاليف، وأخرى تتدفق إليها رؤوس الأموال وتتعاظم فيها العوائد. هذه الآلية - إعادة توزيع الثروة عبر الجغرافيا - تشكل المدخل الأهم لفهم كيف يمكن للحرب أن تخدم توجهات اقتصادية قائمة، مثل مشروع ترمب لإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة.
منذ ولايته الأولى، تبنى ترمب رؤية واضحة تقوم على إعادة تمركز الاقتصاد الأميركي داخلياً، فسعى إلى خفض الضرائب على الشركات في عام 2017 من 35 إلى 21 في المائة، ولم يكن ذلك مجرد إجراءٍ مالي، بل كان أداةً استراتيجية لإعادة جذب أرباح الشركات «المحتجزة» في الخارج، والتي قُدرت آنذاك بتريليونات الدولارات. هذه السياسة كانت تهدف إلى جعل الولايات المتحدة الوجهة الأكثر جاذبية للاستثمار والإنتاج. وبالطبع، فإن ما تحققه السياسات عادةً على مدى سنوات، يمكن للحروب أن تُسرّعه خلال أشهر.
هنا يظهر دور الحرب بصفتها محفّزاً قسرياً لحركة رأس المال، فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، لا تعود قرارات الاستثمار قائمة فقط على العائد المالي، بل على الأمان؛ فالشركات تبدأ في إعادة تقييم مواقعها، والمستثمرون يبحثون عن ملاذات مستقرة؛ وهو ما يؤدي إلى إعادة توجيه تلقائية للتدفقات المالية، ويصعب فهم هذه العملية دون النظر إلى الوجه الآخر لها، وهو خسائر بقية العالم.
ففي مناطق قريبة من النزاع أو متأثرة به، ترتفع تكاليف التشغيل بشكل ملموس، أقساط التأمين على الشحن والطاقة تقفز، تكاليف النقل ترتفع نتيجة تغيير المسارات، وتكلفة التمويل تزيد مع إعادة تسعير المخاطر، في الوقت ذاته، تُؤجَّل مشاريع استثمارية كبرى أو تُعاد دراستها، بينما تبدأ رؤوس الأموال في الخروج من الأسواق الأعلى مخاطرة؛ ما يضغط على العملات والأسواق المالية، هذه العوامل مجتمعة لا تجعل الولايات المتحدة أكثر جاذبية بقدر ما تجعل البدائل الأخرى أقل جدوى اقتصادياً.
في المقابل، تتحول الولايات المتحدة إلى الوجهة الطبيعية لهذه التدفقات لأسباب، منها البُعد الجغرافي عن مناطق الصراع والذي لطالما كان ميزة للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وقوة الدولار الذي يمثل نحو 58 في المائة من الاحتياطيات العالمية، وتشير تقديرات حديثة إلى أن الاستثمارات الصناعية الجديدة في الولايات المتحدة تجاوزت 500 مليار دولار خلال فترة قصيرة، في انعكاس مباشر لتحول الشركات نحو بيئات أكثر استقراراً. بهذا المعنى، لا تحقق الحرب فقط ما سعى إليه ترمب سياسياً، بل تدفع السوق العالمية لتنفيذه عملياً.
وليس قطاع النفط والغاز باستثناء عن هذا التوجه، فمع ارتفاع علاوة المخاطر في الخليج العربي الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ارتفعت أسعار الطاقة؛ وهو ما انعكس مباشرة على أداء الشركات الأميركية، فسجلت أسهم شركات كبرى مثل «إكسون موبيل» و«شيفرون» ارتفاعات ملحوظة خلال فترات التوتر، مدعومة بزيادة الأرباح والتدفقات النقدية، وعندما ترتفع أسعار النفط من نطاق 70 - 75 دولاراً إلى 85 - 95 دولاراً، فإن ذلك يضيف مليارات الدولارات إلى أرباح هذه الشركات، وذلك دون تهديدات أو تكاليف إضافية حقيقية كما هو الحال في الشرق الأوسط. وهنا مرة أخرى تعود ميزة البعد الجغرافي للظهور، وقد كانت السياسات الأميركية جاهزة لتعزيز هذه المكاسب، من خلال تسريع التراخيص، وتوسيع قدرات التصدير، خاصة في الغاز الطبيعي المسال، ومع تجاوز الصادرات الأميركية 90 مليون طن سنوياً، واستفادة الشركات من فروق سعرية كبيرة بين السوق المحلية والعالمية، تحولت الطاقة إلى إحدى أهم قنوات نقل القيمة من مناطق النزاع إلى الاقتصاد الأميركي.
لا يمكن الجزم بأن أهداف هذه الحرب اقتصادية بحتة، ولكن لا يمكن إنكار أن الاقتصاد الأميركي هو أحد أكبر المستفيدين منها، وحتى لو ذكر الإعلام الأميركي أن الحرب تكلف الولايات المتحدة مليار دولار يومياً، فأيام الحرب - وإن طالت - معدودة، بل إن التحولات تجاه الولايات المتحدة ستزيد مع طول فترة الحرب، ولا يمكن استبعاد أن ترمب سيحسب هذه التحولات ضمن إنجازات فترة رئاسته، حتى لو تحققت بفعل الحرب، في المقابل، فإن الإعلام الأميركي يركّز النظر تجاه روسيا والصين بصفتهما مستفيدتين من هذه الحرب، وحتى لو كانتا مستفيدتين من هذه الحرب، فكلتاهما لم تسعَ لبدئها، ولم تدرك فوائدها الاقتصادية إلا بعد نشوبها.
