شاهدنا عبر الشاشات الأبطال الحقيقيين لـ«حكاية نرجس». القصة مر عليها أربعة عقود من الزمان، إلا أن شهودها لا يزالون أحياء. فجّر مؤخراً الابن مفاجأة عندما قال إن نرجس الحقيقية، «التي خطفتني واسمها (عزيزة) مشهورة باسم (بنت إبليس)، مجرمة ولم تكن أبداً أماً حنوناً كما قدمها المسلسل».
إنه الفارق بين قانون الواقع وقانون الدراما. لو قرأت قصة «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ أو شاهدت الفيلم الذي حمل الاسم نفسه، ولعب بطولته شكري سرحان في دور «سعيد مهران»، لاستطعت أن تقترب من الإجابة الصحيحة. الفن يستمد وقوده وروحه من الحياة، إلا أنه لا يقدم الواقع. نجيب محفوظ تعاطف مع القاتل، وبدأ يبحث عن المبررات وراء تحوله إلى سفاح، وأدان المثقفين الذين يبيعون الوهم للناس.
تعددت الأعمال الدرامية المأخوذة عن وقائع، سبق لي أن التقيت الجاسوس الوطني أحمد الهوان، الذي شاهدنا قصة حياته قبل نحو 40 عاماً مجسدةً في مسلسل «الدموع في عيون وقحة» باسم «جمعة الشوان» بطولة عادل إمام.
حكى لي الهوان أنه كان يتعمد أثناء تصوير المسلسل اللقاء بعادل إمام، وذهب إلى المطعم حيث كان عادل إمام يتناول عشاءه قائلاً له: «أنا أحمد الهوان الأصلي»، رد عليه عادل: «أنا لا أعرفك»، أجابه الهوان: «ولكنك تقدم قصة حياتي»، رد إمام: «أنا أقدم شخصية بطل اسمه جمعة الشوان»، ومع بداية عرض المسلسل فتح الهوان النيران على «الشوان»، قائلاً إنه «يزيف التاريخ»، لم يعره أحد اهتماماً، ومع الزمن بات الهوان يطل علينا عبر الفضائيات ويؤكد أنه تزوج من سعاد حسني وكان ادعاءً كاذباً، لأن الفترة الزمنية التي ادعى فيها زواجه من سعاد كانت بالفعل متزوجة من المخرج على بدرخان!
الشخصية الحقيقية (الأصل) كان من الممكن أن تقتل الحالة الدرامية لو قدّمت نقلاً مباشراً عن الواقع. وهو ما ينطبق أيضاً على مسلسل «حكاية نرجس»، كان المخرج سامح علاء، ومعه كاتب السيناريو والحوار عمار صبري، يبحثان عن أصل الحكاية، وقررا محاكمة المجتمع الذي ينظر للمرأة على اعتبار أنها فقط وعاء لإنجاب الأطفال، وإذا كانت عاقراً فهي لا تستحق سوى الازدراء. لو تأملت ملامح «عزيزة» والصورة التي جسدتها «نرجس»؛ أقصد الفنانة ريهام عبد الغفور، لوجدت أن المخرج تعمد إسناد الدور إلى فنانة لها مساحة كبيرة وعميقة من المصداقية. المخرج لم يتح لك أبداً أن تعتبرها تنويعة على «ريا وسكينة»، بطلتي الحادث المروع الذي هز مدينة الإسكندرية في عشرينات القرن الماضي، وهما امرأتان تستدرجان النساء الثريات إلى شقة من أجل المال وتقتلان الضحايا تباعاً، ثم يتم دفن الجثث تحت الأرض، ليس ثمة تعاطف ولا مجال للتبرير. لكن في «حكاية نرجس»، الدراما استطاعت أن تطيح بالإدانة جانباً، فأنت ترى الواقعة، وتتمنى في الوقت نفسه ألا يتم اكتشاف الجريمة، لأنك متبنٍ لا شعورياً حق «نرجس» في الحياة الكريمة، صحيح أنك ترفض أسلوبها في سرقة الأطفال، إلا أنك من خلال أداء ريهام عبد الغفور والتفاصيل المحيطة بها ترجو لها النجاة.
المذنبة «عزيزة»، الشهيرة بـ«نرجس»، تلقت عقابها وقضت بضع سنوات عقوبة السجن، إلا أن «نرجس» في أحداث المسلسل كانت بالفعل تعيش الأمومة بكل تفاصيلها، وظلت مقتنعة أنها لم ترتكب أي خطأ، فالابن الضحية قال مؤخراً عبر فضائية «العربية» إن المسلسل قدمها كملاك طاهر بريء، بينما هو لا يراها سوى «عزيزة بنت إبليس».
