تناولت صحيفة «فاينانشال تايمز» موضوعَ توقفِ وإعادةِ هيكلة مشروع «نيوم»؛ المشروعِ الضخم الذي جاءت فكرته عام 2017، بعد إعلان «رؤية المملكة 2030» في عام 2016.
«الرؤية» حسابياً عمرها 14 عاماً، واليوم يوافق نحو 10 أعوام على بدئها. «الرؤية» مجموعة مشروعات متراصّة، تختلف في حجمها وتخصصاتها، ومَن يرَ السعودية اليوم يدركْ أنها خلال هذه المدة القصيرة من عمر الزمن لم تعد كما كانت، خصوصاً في قطاعِ السياحة والاستجمام، الذي يُعدّ مشروع «نيوم» جزءاً منه، والتطويرِ الصناعي، الذي يُعدّ «نيوم» جزءاً منه، والاستثمارِ في التقنية الكلاسيكية والحيوية، الذي يُعدّ «نيوم» جزءاً منه، والبنيةِ التحتية للإعلام وشبكاته، التي يُعدّ «نيوم» جزءاً منها... إلخ.
«نيوم» مشروع ضخم، بقيمته مقدرةٍ بـ500 مليار دولار، ولا يبدو الأمرُ غريباً على أي رؤية اقتصادية واجتماعية ضخمة أن تقيَّمَ مشروعاتُها على مراحل، ويعادَ ترتيبُ الأولويات؛ لأنه خلال هذه المدة قد تتغير المعطيات والأحداث، مثل جائحة «كورونا»، وقد تتكشف قطاعات أكبر أهمية من إنجاز مشروع «نيوم» في الوقت الراهن. هذا أمر يحدث في كل الدول، وبالتحديد مع المشروعات الضخمة. والأمثلة حول العالم كثيرة؛ مشروع «سونغدو إنترناشيونال بيزينس ديستريكت (Songdo International Business District)» في كوريا الجنوبية، وهو مدينة ذكية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا، لكنه واجه ضعفاً في الطلب وتأخراً في الاستثمار، فقررت الحكومة إبطاءَ التنفيذ وإعادةَ جدولة المراحل، ثم اكتمل المشروع جزئياً فقط بعد سنوات طويلة. في الصين مشروع «أُوْرْدُوْس كانْغْبَاشِي (Ordos Kangbashi)»، وهو مدينة جديدة حديثة بالكامل، بُنيت قبل وجود سكان أو طلب حقيقي، وظلت شبه فارغة سنوات، وتعمل الحكومة على جذب السكان إليها.
وفي الولايات المتحدة برز مشروعُ «هُودْسُون يارْدِز (Hudson Yards)»؛ أكبرُ مشروعِ تطوير عقاري في نيويورك. حيث أُعيدَ تقييمُ الجدوى المالية والتصميم، ثم استمر لاحقاً، لكن بوتيرة أبطأ. في بريطانيا مشروع ضخم للقطارات فائقة السرعة هو «إتش إس2 (HS2)»، لكن اتضح بعد المراجعة أن هناك ارتفاعاً هائلاً في التكاليف، وأُلغيت أجزاءٌ من المشروع وأُعيدت هيكلتُه، فتقلّص بشكل كبير. في ماليزيا هناك مشروع مدينة جديدة فاخرة على البحر هو «فورست سيتي (Forest City)»، لكن بسبب ضعف الطلب من المستثمرين الأجانب أعادت الحكومة تنظيم المشروع الذي تباطأ أيضاً بشكل كبير. وفي الإمارات كانت هناك فكرة «مدينة مصدر (Masdar City)»، وهي مدينة خضراء خالية من الكربون... قُلّص هذا المشروع كثيراً، وأُوقفتْ أجزاء منه، وأُعيدت هيكلتُه، ليكون أعلى واقعية. وأيضاً هناك مشروع «جبل علي - النخلة»، وهو جزيرة صناعية؛ إذ توقف المشروع وظل مجمداً سنوات طويلة، ثم أُعيدَ إحياؤه مؤخراً بخطة جديدة.
دراسةُ مراحل المشروعات، خصوصاً الضخمة منها، ضرورةٌ ملحة؛ لترتيب الاحتياجات والأولويات.
«فاينانشال تايمز» عندما تكتب: «قد تتحول (نيوم) من مدينة مستقبلية متكاملة إلى مجرّد مقرٍ لمراكز البيانات، في إطار سعي الحكومة في السعودية إلى لعب دور في سوق الذكاء الاصطناعي العالمية»، هذه الصياغة التي تحاول تحجيم فكرة التحوّلِ للذكاء الاصطناعي وإعطائه الأولوية في «نيوم» في هذه المرحلة، لا تقرأ المستقبل كما نتوقع. والمفارقة أن الصحيفة نفسها نشرت مؤخراً مقالاً بشأن القلق من نفاد المعادن النادرة التي تدخل في الذكاء الاصطناعي بمجال التصنيع العسكري خلال الحرب الجارية. هذه المعادن النادرة التي تعدّ هيكل صناعة الذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية، تمتلكها السعودية في أراضيها وتقدر قيمتها حتى الآن بـ150 مليار دولار.
منذ 2016 وحتى اليوم، حيث الاحتفال بمرور 10 سنوات على بدء «الرؤية»، تغيرت السعودية اقتصادياً وثقافياً وتعليمياً وبنيوياً، وأظن أن كل العالم يشهد بذلك، لكن أيضاً طرأت أحداث إيجابية لم تكن في الحسبان، مثل الكشفِ عن موجودات ضلخمة إضافية من المعادن، مثل الذهب والنحاس والفسفور والحديد... وهي احتياطات معدنية ضخمة تقدر بأكثر من 2.5 تريليون دولار، موزعةً على 48 نوعاً من المعادن لم تُستخرَج بالكامل حتى الآن، والكشفِ أيضاً عن مخزونات كبيرة من الغاز الطبيعي لم تُستخرَج أو توظَّف بعد، ومناطقَ نفطيةٍ جديدة... وهذه ثرواتٌ ضخمة مخزنة وقابلة للتشغيل. لكن إدارةَ الثروات جزءٌ أصيل من إدارة الدولة، وليست دعاية سياسية.
حتى الفَرِحين بأثر الحرب الحالية على التنمية في السعودية، سأذكر لهم تجربتي الشخصية بهذا الخصوص. في عام 2018 كنت ضمن الوفد الإعلامي المصاحب للأمير محمد بن سلمان في زيارته الولاياتِ المتحدةَ... استمرت الرحلة نحو شهر، كان الهدفُ منها التعريفَ بـ«رؤية 2030» وشرحَها للمستثمرين الأميركيين. ولإنجازٍ أعلى فاعلية، قُسِّم الوفد إلى مجموعات؛ كل مجموعة توجهتْ إلى ولاية من الولايات. كانت من نصيبي ولايةُ ماساتشوستس؛ وتحديداً مدينةَ بوسطن. توجهنا إلى جامعة هارفارد، والتقينا مجموعةً من الأكاديميين في «كلية كينيدي للأعمال». من حسن الحظ كان رئيس مركز الأبحاث مستشاراً سابقاً للرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، لشؤون الإرهاب. طلبت منه بعد الاجتماع إجراء لقاء صحافي، وافق وتم خلال اليوم نفسه، ونُشر في هذه الصحيفة. من أهم ما جاء في اللقاء أن سألته: ما التحديات التي قد تواجه «رؤية 2030؟». فأجاب: «حرب اليمن؛ لأن الإنفاقَ العسكريَّ كبيرٌ، والحروبَ عرقلةٌ للتنمية». رأيُ المستشار صحيح نظرياً، لكن يبدو أنه لم يكن دقيقاً عملياً. 11 عاماً والسعودية لا تزال في اليمن مدافعةً عن الشرعية، ممولةً ومساندةً وداعمةً، وتنفق المليارات، لكن حجمَ الاستثمارات الداخلة ارتفع، وعددَ المقار الرئيسية للشركات العالمية التي سكنت الرياض ازداد، والتغيرَ في واجهة المدن على المستويين الثقافي والحضري تحقق بشكل لافت... لم يشعرِ الناس بأن حياتهم معطّلة، بل انخفضت البطالة، وتحسنت جودة حياتهم. هل الموضوع اليمني مختلف عن الوضع الحالي؟ نعم هناك اختلافات، فالمدن السعودية مستهدفة أكثر، لكنها عملياً غير متضررة، والأكبر أهمية أن البدائل موجودة لكل تهديد أو خسارة؛ لأسباب جغرافية ومساحية واقتصادية وسياسية.
عودة إلى «فاينانشال تايمز»؛ «نيوم» ليست السعودية، ولا مستقبل السعودية، بل هي من مشروعاتها الكبرى التي أُعيدَ تقييمُها وأخذت ترتيباً آخر في الأولويات، وهذا لا يعني تقليص الطموح؛ بل العكس تماماً: زيادة الشفافية والمرونة والإصرار على الإنجاز.
