أحمق في السياسة وأهوج في الثورية

أحمق في السياسة وأهوج في الثورية

الأحد - 16 شهر رمضان 1443 هـ - 17 أبريل 2022 مـ رقم العدد [15846]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

ما قاله حسين بافقيه ساخراً في كتابه «الجوائز الأدبية: الحدود والأقنعة» من أن رائحة البترودولار سرعان ما تغير الشعارات الآيديولوجية بمجرد الإعلان عن اسم ذلك الأديب، الملتزم آيديولوجياً، مستمد من وقائع في مواقف انقلابية لأدباء ومثقفين من أهل الالتزام الآيديولوجي الصارم تجاه الجوائز الأدبية في دول الخليج العربي.
جمعني مصعد في فندق في مدينة الشارقة قبل نحو ثلاثين عاماً، بقاصين وناقد أدبي كانوا من ضمن الفائزين بجائزة سلطان العويس في دورة من دوراتها. لما ركبت المصعد كان هؤلاء يتبادلون حديثاً ضاحكاً، ويمازحون أحدهم سائليه عما ستكون حياته بعد حصوله على مبلغ الجائزة؟ وما مقدار ما سيصرفه منه؟ وفي أي مشروع سينفقه؟
كانوا وهم يتبادلون حديثهم الضاحك هذا تطفح وجوههم بشراً، فلقد كانوا سعداء لحصولهم عل تلك الجائزة لسبب معنوي، وسعداء سعادة مضاعفة لسبب مالي، لأنهم لم يكونوا من مياسير الأدباء في بلادهم.
الشاهد في هذا الحكاية هو قول الناقد فيهم الشهير بأنفته اليسارية وبتشامخه النقدي، منسلاً من حديث الهزل إلى حديث الجد: من الآن وصاعداً جائزة سلطان العويس جائزة تقدمية، ودولة الإمارات لم تعد دولة نفطية رجعية!
في سيرته الذاتية التي نشرها قبيل وفاته وفي القسم الذي عنونه بـ(رئاسة القسم ومحاولة تكوين مدارس فلسفية 1987 – 1995)، وهو القسم الذي بخلاف عنوانه خصصه لنهش لحوم تلامذته وزملائه وأصدقائه، يقول حسن حنفي عن صديق له من أيام دراسته العليا في باريس، يعمل في قسم غير قسمه، قسم الفلسفة: «نال عدة جوائز من الخليج، لأن كلامه لا يضر ولا ينفع في حين أنني مُنعت (من الحصول على) جائزة الملك فيصل في علم أصول الفقه، وألغيت في العام الذي تقدم فيه الناشر لكتابي في الموضوع (من النص إلى الواقع)».
المعلومة التي نقلت إليه من أنه حيل بينه وبين الحصول على هذه الجائزة بحجبها في العام الذي رشحه ناشر كتابه (من النص إلى الواقع) للفوز فيها معلومة غير صحيحة. صحيح أنها في عام 2006 حجبت في موضوع الدراسات التي تناولت أصول الفقه أو جانباً منه تأليفاً وتحليلاً، والجائزة في هذا الفرع كثيراً ما تعرضت للحجب لكن من الواضح أنه لا يعلم شيئاً عن هذه المعلومة وهي: أن الهيئات العلمية المختصة هي التي لها حق الترشيح أما دور النشر فترشيحاتها لا تقبل. وفي حدود معرفتي بتاريخها في فرع (الدراسات الإسلامية) أنها لا تمنح لتحرري ثوري في ميدان الدراسات الإسلامية. وحسن حنفي في دراساته الإسلامية من هذه الفئة. المثير للدهشة والعجب أن حسن حنفي صاحب دعوة اليسار الإسلامي كان يترصد سوانح الفرص لنيل جائزة من أهل اليمين الفكري مع علمه سلفاً بأن هؤلاء يرون أن اليسار – على عكس ما قاله أمل دنقل في قصيدته (صلاة) - لفي خسر.
وهذا ليس لب الحكاية؛ فلبها أن صديقاً لي قليلاً ما يغشى معارض الكتب في البلدان العربية سافر إلى القاهرة بغية شراء كتب من المعرض الدولي المقام هناك. وبعد عودته من هذا المعرض حدثني أنه رأى حسن حنفي في إحدى دور النشر يكتب إهداءً للمشترين نسخة من كتاب صدر له حديثاً. وهذا ما حمسه لشراء واحدة منها لكي يحظى بإهداء عليها بخط يد المفكر الكبير ذي الاسم اللامع. فناوله إياها ليكتب على صفحتها الأولى إهداءً له، فسأله حسن حنفي عن اسمه وعن اسم بلده.
يقول صديقي: فوجئت حين قرأت إهداءه لي أنه نسبني إلى الجزيرة العربية وليس إلى السعودية، فاستهجنت ما فعله.
قلت له مخففاً وقع هذا الموقف عليه: إن هذه التسمية السياسية البديلة للسعودية يقول بها غلاة المعارضين السياسيين والآيديولوجيين للكيان السعودي من القوميين واليساريين من عقود طويلة، وتبعهم في ذلك في عقود متأخرة حذو القذة بالقذة متطرفة الصحوة الإسلامية. ولعلك تلتمس العذر له، فحسن حنفي الذي يقوم تنظيره السياسي والآيديولوجي على أمشاج غير مؤتلفة من تيارات هؤلاء، على علمه الغزير بالفلسفة الغربية في عصورها الحديثة وفي عصورها الوسطى، وعلى علمه الوافر بالعلوم الإسلامية، أحمق في السياسة وأهوج في الثورية.
هذه الحكاية رواها لي صديقي قبل مدة وجيزة من حضور حسن حنفي لأول مرة مهرجان الجنادرية، ولا بد أنه بعدها قد أقلع عن تسمية السعودية تسمية بديلة بغرض سياسي معادٍ.
أظهرت في المقالين السابقين في رثائه لفؤاد زكريا أن جابر عصفور كان غير ملم بصراع الإسلاميين مع فؤاد زكريا وصراعه معهم.
لذلك أرى أنه نظراً إلى أن معلوماته ضئيلة وغير دقيقة في هذا الموضوع، كان من الأوفق له أن يكتب عن جدال فؤاد زكريا مع اليسار وجدالهم معه. وأتصور أن معلومات القارئ العام عن هذا الموضوع ليست بقدر معلوماته عن الموضوع الأول.
وكان من غير المفهوم حصر علاقة فؤاد زكريا بالكويت بقضايا ثلاث هي: «التصدي للسلفية الجامدة» وأنهما «ناصباها العداء طيلة إقامته بالكويت»، وأنه «هناك ابتدع مصطلح إسلام النفط»، وتعمد إغفال وقفته السياسية والفكرية القوية في نصرة الكويت في مقالات عديدة بدأت مع غزو الكويت واستمرت بُعيد تحريره.
مناصرته لقضية الكويت الوطنية ببأس شديد أثارت سخطاً عليه عند يساريين، ومنهم يساريون مصريون. هذا السخط كان من نوع جديد ولم يكن مراكمة لسخط سابق في قضايا معهودة يتكرر الخلاف فيها بينه وبينهم مثل موقفه النقدي من تجربة جمال عبد الناصر وتبعاتها.
في عام 1998 استحدثت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي جائزة تقديرية، فاقترح محمد الرميحي على الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت، بصفته رئيس مجلس إدارة هذه المؤسسة، أن تمنح لفؤاد زكريا، فرأى الأمير أنه من الأفضل ألا يقتصر منح الجائزة على شخصية واحدة. فقال الرميحي: لديَّ اسم ثان، هو غازي القصيبي، فوافق الأمير على مقترحه فمنحا الجائزة.
والحق أن غازي القصيبي وفؤاد زكريا أبليا بلاءً حسناً في الدفاع عن الكويت ونصرة شعبها.
المثال الثالث للخفة الصحافية في دراسات جابر عصفور ومقالاته، يقول في دراسة عنوانها (من التنوير إلى الإظلام) منشورة في مجلة (إبداع) عدد أبريل (نيسان) 1992: «بدأنا نسمعه منذ السبعينات، حيث أخذت السهام والحراب تنهال على رزم الاستنارة والتنوير، من عشرات المقالات، وما لا يقل عن عشرة كتب، صدر أولها في القاهرة حين كتب أنور الجندي عن (طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام) – 1976. وثانيهما من الأردن حين كتب عبد السلام المحتسب كتابه (طه حسين مفكراً) – 1978. وثالثهما في الدار البيضاء، حين كتب نجيب البهبيتي كتابه (المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين) – 1978... إلخ».
السؤالان اللذان حيراني كثيراً هنا: هل يجهل جابر عصفور أن نجيب البهبيتي صاحب الكتاب الأخير من مصر وليس من المغرب؟!
وهل حقاً قرأ كتابه؟!
كتب نجيب البهبيتي تصديراً لكتابه بلغ عدد صفحاته 63 صفحة، بدأ الطعن فيها في طه حسين من وجوه عدة ابتداءً من صفحة 18 إلى آخر صفحة في هذا التصدير. وشمل هذا الطعن تلميذه شوقي ضيف وتلميذته سهير القلماوي التي هي أستاذة جابر عصفور الأثيرة على نفسه وزوجها يحيى الخشاب، وزوجة طه حسين سوزان التي عيرها هي وأمها بفقرهما، وعير سوزان بعملها محاسبة في محل حلاقة في الحي الجامعي في باريس قبل أن يتزوج طه حسين بها، وافترى عليها بعد زواجها منه بأن إسرافها لم يبق على شيء من كسبه الكثير، بسبب سفرهما كل صيف إلى باريس. وعير أمها باعتمادها في مصدر رزقها على شقة تؤجرها، وبأنها وحيدة وأن عائلتها هي وابنتها عائلة خاملة الذكر. ونبز مدير الجامعة المصرية – جامعة القاهرة لاحقاً – لطفي السيد بـ«الداعية الأحول». وكرر هذا النبز في الفصل الثاني من الباب الرابع من الكتاب بقوله عنه: «الرجل الأحول الغامض، لطفي السيد».
إن نجيب البهبيتي في التصدير الذي كتبه كان يتحدث عن نفسه – مع إعادة القول في أكثر من موضع فيه بأنه آية من آيات الله في ذكاء الفهم – بوصفه مصرياً. والقارئ لتصديره سيعلم أنه تلميذ لطه حسين وهو طالب في مرحلة الدراسة الجامعية وفي مرحلة الدراسات العليا منذ أن التحق بالسنة الثانية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في العام الدراسي (1930 – 1931).
على الأغلب أنه يعلم أن نجيب البهبيتي مصري الجنسية، وأنه قرأ على الأقل تصدير الكتاب وقرأ بابه الرابع الذي خصصه للتهجم على طه حسين ونقد كتابه (في الشعر الجاهلي).
لكنه إزاء الهجوم المنظم على طه حسين في عامين متقاربين، هما عاما 76 و1978، أراد أن يقول إنه جاء من مدن عربية مختلفة، هي: القاهرة وعمان والدار البيضاء، وأن المدينة الثالثة، الدار البيضاء، مدينة قصية في المسافة عن القاهرة وعن عمان. وأراد أن يوهم من غير أن يتورط بقول ذلك صراحة أن الكتاب الثالث (المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين) صاحبه مغربي، اتكاءً على أن الكتاب صدر عن دار الثقافة بالدار البيضاء في المغرب!
ودليلي على هذا الإيهام غير المباشر، أنه تجاهل أن طبعة عام 1978 من كتاب (طه حسين مفكراً) – وهي الطبعة الأولى منه – صادرة في بيروت عن دار إحياء التراث العربي، وليس من عمان التي صدرت فيها الطبعة الثانية عام 1980 عن منشورات مكتبة النهضة الإسلامية.
فهو إن قال عن هذا الكتاب صدر ثانيها من لبنان، فمؤلفه عبد المجيد عبد السلام المحتسب ليس لبنانياً وإنما هو أردني.
وشجعه على هذا التدليس أن نسخ الطبعة الأولى من هذا الكتاب نافدة، والمتوفر منها في الأسواق وفي العديد من المكتبات العامة هي نسخ الطبعة الثانية الصادرة في عمان.
إن الذي يفسد على جابر عصفور فكرته من ناحية الإطار الزمني أن نجيب البهبيتي بدأ بالهجوم المباشر على طه حسين في مقدمة الطبعة الرابعة لكتابه (تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري) الصادر عام 1970 عن دار الفكر ببيروت، ومكتبة الخانجي بالقاهرة، وهذه المقدمة التي كتبها في الرباط في الأول من مايو (أيار) من ذلك العام جاءت في (34) صفحة. وكرر هذا الهجوم في مقدمة طبعة من هذا الكتاب صادرة عام 1982. وقعت في (23) صفحة. وقد أرخ لكتابتها في التاسع من سبتمبر (أيلول) عام 1981.
وهاجم طه حسين من غير أن ينص على اسمه في المقدمة الأولى لكتابه (أبو تمام الطائي: حياته وحياة شعره) – وهو رسالته في الماجستير – الصادر عام 1945 عن مطبعة دار الكتب المصرية. وهذه المقدمة كتبها في أول سبتمبر من هذا العام.
يقول في مستهل هذه المقدمة: «هذا بحث قد حبسته عن الناس – تسع سنوات – مؤامرة قبيحة، وأنا غير آسف لهذا التأخير، وإن لم يأت عني اختياراً. فلو قدر له أن يظهر يومئذ لكان ذلك مصانعة من الزمان لصاحبه، أن يأذن لكتاب له بالظهور في وقت لم يكن يظهر فيه كتاب لشاب، إلا أن يدين بالتبعية المطلقة لصاحب حول أو طول. وهذا الكتاب غريب عن ذلك المعدن، بريء من ذلك المركب، لأنه ينفخ في غير هذا البوق، ولا يتسم بالتبعية، ولا يحترم إلا العقل، ولا يلين في الحق».
وقد قال محمد عبد الغني حسن عن هذه المقدمة وعن الكتاب حينما تناوله بالعرض بعد صدوره: «والمبالغة عند المؤلف ظاهرة في الكتاب ظهوراً بيناً فهي لم تكتف بمتن الكتاب حتى عدته إلى مقدمته. وهي مقدمة ما كان لها أن تكون في تقديم كتاب عن أبي تمام. وما ذنب القارئ حين يقرأ في المقدمة كلاماً عنيفاً عن (مؤامرة قبيحة) حبست الكتاب عن الطبع والظهور تسعة أعوام؟ وما ذنب القارئ حين يرجو أن يرى من المؤلف في مقدمته طريقته ومنهجه في التأليف فيرى بدلاً من ذلك صيحة عالية عن الكرامة وإيقاظ الضمير ومرضى النفوس وذوي الأهواء؟
وما ذنب القارئ حين يتوقع في المقدمة بياناً لبحث فيرى فيها كلاماً عن مُنجبين تلقوا الحياة فلم ينجبوا، وعن كيسين ماهرين تلقوا الحياة بالمرونة والكياسة فعادوا بالظفر المادي؟؟ وما علاقة ذلك كله بأبي تمام وحياة أبي تمام؟».
وفي الطبعة الثانية من هذا الكتاب الصادرة عن دار الثقافة بالدار البيضاء عام 1982، كتب لها مقدمة غير مؤرخة بسط فيها ما غمغم فيه في السطور التي نقلتها من مقدمة الطبعة الأولى مكرراً القدح في طه حسين.
خطأ جابر عصفور الثاني أن ما قاله نجيب البهبيتي في الكتاب الذي ذكره عن طه حسين، له سياق مختلف جداً عن السياق الذي ينتظم كتابي الجندي والمحتسب.
فمصدر عداوة البهبيتي وحقده على أستاذه طه حسين سببه مشكلة شخصية حصلت له معه في رسالته للماجستير والدكتوراه. ورسالته للدكتوراه هي التي حملت عنوان (تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري).
إن ما قاله البهبيتي عن طه حسين في الكتاب الذي ذكره وفي كتابيه الآخرين كان يجب عليه أن يضعه في إطار مصادر هجوم الإسلاميين على طه حسين. فالإسلاميون يستخدمون ما قاله البهبيتي عن طه حسين ويستخدمون قصته معه ضد طه حسين في أكثر من وجه. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو