مَن القيصر اليوم؟

مَن القيصر اليوم؟

الاثنين - 18 شعبان 1443 هـ - 21 مارس 2022 مـ رقم العدد [15819]

ابن مخلص للحزب الحاكم أبلغ عن أبيه لأنه ينتقد الحزب أو الرئيس. زوار منتصف الليل اقتادوا الأب إلى سجن لم يخرج منه. قصة مكررة، سمعتها بنسخ مختلفة في العراق وسوريا وشرق أوروبا وشرق العالم.
كان لدى هؤلاء «المستبدين» الذين يقمعون حرية الرأي مشكلتان؛ الأولى أنهم لن يستطيعوا توفير مخبر لكل مواطن. ومن هنا رُوِّجت الحكايات التي تدعو إلى الحذر حتى من أقرب الناس إليك، لكي يُردَع الناس حتى داخل بيوتهم.
والأخرى أن كثيراً من الجهد المبذول في ملاحقة هؤلاء جهد مهدَر إنْ توجه إلى مواطن عادي يقول كلمة عادية في محيط أسرته، لن تصل إلى أبعد من جدران بيته.
ثم جاء عصر «السوشيال ميديا»... بمفارقة جديرة بالتوقف عندها. وبالتساؤل عن الطريق الذي اختارته لنفسها وقد حازت النقيضين.
«السوشيال ميديا» تملك ما كان يحلم به أي نظام قمعي. تستطيع أن تتجسس على كل مواطن، بجهد غير مأسوف عليه وإن بذلته لتتبع شخص عادي. بمقدور أي مواطن من مواطني «السوشيال ميديا» أن يكتب بلاغاً في مواطن آخر قال رأياً لا يعجبه، وإن كان الأول في أستراليا والآخر في ألاسكا. تستطيع التنظيمات واللجان الإلكترونية تنسيق الجهود بحملة «ريبورتات» كفيلة بإسكات صوت لا تحب سماعه. وفوق ذلك كله، لدى «البيغ تك» من التكنولوجيا ما يغنيها عن المخبرين. يدق الجرس في غرفة مارك زوكربيرغ أو واحد من أعوانه إن كتبت كلمة معينة. أكان ذلك في منشور علني، أو في تشات، أو حتى في تعليق تائه وسط المنشورات. «السوشيال ميديا»، بضغطة زر، حجبت صاحب أعلى سلطة تنفيذية في العالم.
لكن شكراً للحياة الكريمة أنْ جعلت هذه القدرة الملائكية على الرقابة، مع هذه القدرة الأسطورية على منح فرص التحدي والبطولة لمواطن لم يتكلف عناء تغيير بيجامة النوم، شكراً لها أنْ جعلتها في يد «البيغ تك»، ابنة الحضارة الغربية وقيمها، التي ستختار بلا شك أدوات الحرية، لا أدوات القمع. التي لن تمنع شخصاً من التعبير عن رأيه من دون حكم قضائي! ما هذا العالم الجميل! ماذا فعلنا لنستحق كل هذه العطايا والمنح! لقد انتهى عهد قياصرة الإعلام، المتحكمين فيما يذاع وما لا يذاع. أم لا؟
مؤسسات «السوشيال ميديا» تملك إطاراً قانونياً غريباً؛ من ناحية لا تحاسب على ما يُنشر على منصاتها، لأنها ليست مصنفة كـ«جهة نشر»، بل كمنصة عرض. يجعلها هذا في مأمن قانوني إن أرادت أن «تتغاضى» عمّا تشاء من المنشورات، من دون أن تقع تحت طائلة العقاب. ويجعلها في موضع تقديم نفسها كحق من حقوق الإنسان. حق التعبير عن رأيه، وأن تشن حملة ضد أي سلطة سياسية تحاول منعها. ومن الناحية الأخرى، تمنح نفسها الحق في ممارسة الدور الرقابي على ما يُنشر فيها، ليس ضمن قواعد واضحة ومعلنة يحددها القانون، بل ضمن قواعد يحددها الألجوريذم. مَن يضع قواعد الألجوريذم؟ نعم. الشركات نفسها.
تستطيع أن تقرر ما الممنوع وما المسموح. وأن تغيّره غداً، وأن تعود إليه بعد غد. تستطيع أيضاً أن تجعله انتقائياً: إن كان في صالح «حياة السود مهمة» فهو مسموح، وإن كان في صالح جماعة أخرى فهو دعوة إلى العنف أو ممارسة له. إن كان في صالح جماعة توكل كرمان، المسؤولة عن الشرق الأوسط في «فيسبوك»، فهو مسموح. إن استهدف البنية الفكرية لتلك الجماعة فهو لا يتناسب مع «المعايير المجتمعية». إن كان «التحريض على العنف» في صالح الناتو فهو مسموح، إن لم يكن فيستحق الإلغاء. إن كان في صالح بايدن فهو «حقيقي»، وإن كان في صالح ترمب فهو مزيَّف. إن كان ضد هانتر بايدن فهو مفبرك ومدفوع سياسياً، وإن كان ضد أسرة مبارك فلا بأس من الرحرحة في المعايير. وهكذا رأينا «السوشيال ميديا» طرفاً لاعباً في كل قضية سياسية كبرى. من «الربيع العربي» إلى «بريكست» إلى انتخابات أميركا ثم لجتياح روسيا لأوكرانيا، رأيناها ذراعاً طولى للصوابية السياسية والإلغاء. هذا وضع غير مسبوق، لم تحظَ به أقوى وسيلة إعلامية في التاريخ.
صحيح أن النظام القمعي قادر على أن يسجنك إن وقعت تحت يده، وهذه عقوبة كبرى لا تمكن مقارنتها بالمنع من النشر في «السوشيال ميديا». لكنك ستتوَّج بأكاليل المجد إن حدث، وربما تتقوى أفكارك أدبياً. أما «السوشيال ميديا» التي لا يهمها سوى عقلك فيكفيها أن تجمع بين منعك وبين الترويج لمن يوافق سياساتها لكي تحقق مبتغاها، إنْ نجحت في إشعارك أنك منبوذ برأيك وأن العار يلاحقك بسببه فهذا يرضيها تماماً. لا تستهن بأثر ذلك على مراهق أو مراهقة في مدرسة ثانوية، على طلاب جامعيين في مبتدأ تكوين شخصياتهم الاجتماعية والسياسية والقيمية. النظام السياسي سيهتم برأيك في السياسة. «السوشيال ميديا» ستلاحق آراءك في كل مناحي الحياة.
ما من مرة كتبت عن خطورة هذا الصراع القيمي إلا ودار في ذهني أنني لا أملك إجابة عن سؤال حتمي في ذهن القراء: كيف نتصرف معها؟ هنا لا مجال للتفكير في حجبها (فقد صارت حقاً من حقوق الإنسان - هههه)، لكنّ هناك داعياً ملحاً إلى التعامل معها بما يفرض عليها الالتزام بما روّجت لنفسها به حين اختارت أن تكون منصة لا هيئة نشر. إما الحرية الكاملة حيث لا تملك سلطة رقابة إلا بموجب القانون، ولنترك النزال لميدان الكلام، والحساب لجهات تنفيذ القانون ضد الناشرين، وإما أن تتحول إلى جهة نشر وتحاسَب قانوناً على ما يُعرض على صفحاتها، فلا يُسمح لها بالتغاضي عن العنف والدعوة إلى استخدام المولوتوف إن جاءت من التنظيمات المرضيّ عنها، وحجب الرأي العادي إن لم يتوافق معها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو