يونـس سليمـاني
صحافي جزائري يشرف على الشؤون الدولية في «الشرق الأوسط»
TT

مشروع حرب بلا نهاية واضحة

الفاعل الرئيس، وربما الوحيد في التوتر المتصاعد بين روسيا والغرب هو الرئيس بوتين، الذي حرّك، بشكل مفاجئ أكثر من 100 ألف جندي باتجاه الحدود مع أوكرانيا.
المحللون العسكريون الغربيون رصدوا عبر الأقمار الصناعية تلك الحشود وأدركوا بسهولة وجود نية غزو، مستندين إلى قرائن الماضي. فقبل ثماني سنوات، أرسل بوتين تعزيزات عسكرية إلى المنطقة بعد غضبه من الثورة الشعبية التي أطاحت حليفه فيكتور يانوكوفيتش ثم طردته من قصره الرئاسي في كييف إلى موسكو. ثوار كييف قالوا حينها، إن انتفاضتهم جاءت احتجاجاً على تفضيل يانوكوفيتش اتفاق شراكة مع موسكو بدلاً من الاتحاد الأوروبي، بينما تحدثت حكومة بوتين عن دور لأيادٍ خارجية غربية.
حدث وقتها حراك دبلوماسي غربي كبير، شبيه بالحراك الحالي، انتهى بتخلّي بوتين عن فكرة غزو الشرق الأوكراني، لكنه بدلاً عن ذلك «غزا» شبه جزيرة القرم القريبة جنوباً، باستفتاء شعبي سريع نظّمته السلطات المحلية الموالية. انتهت الأزمة باستعادة الروس تلك المنطقة الساحلية الجميلة والمقدسة في وجدانهم، وإبرام «اتفاقية مينسك» الشهيرة التي أبقت الشرق الأوكراني تحت سيادة هشة لكييف، مع فرض الغرب عقوبات اقتصادية كبيرة على روسيا لا تزال فاعلة حتى الآن.
استقطبت تلك الأحداث الدراماتيكية اهتماماً إعلامياً واسعاً. في مهمة لتغطية بعضها، توجّهتُ إلى «ميدان» كييف، مركز الثورة آنذاك، وحاولتُ استيفاء معلومات من مصادر أولى. بعد سلسلة مقابلات ميدانية، لفتني الانقسام المجتمعي في عاصمة البلد؛ فئات شابة ناقمة من مخلّفات الحكم الشمولي الشيوعي، وتتوق إلى حياة أفضل، وأخرى مسنّة تحنّ شيئاً ما إلى العهد السوفياتي البائد.
سمعت من شبان كثيرين تطلّعهم لانضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي على غرار البلدان الأخرى المجاورة (بولندا والمجر وسلوفاكيا ورومانيا)، علّهم يتمكنون من التنقل بسهولة وحرية للدراسة والعمل في أوروبا الغربية. نسبة معتبرة من أولئك الشبان كانت تتحدث لغة إنجليزية جيدة إضافة إلى اللغة الأوكرانية، مقابل جيل الآباء الذي لا يتحدث سوى الروسية والأوكرانية. لغة التواصل أبرزت فروقات في الاهتمامات والطموحات بين الأجيال.
وحتى السلطات في كييف لم تكن تبدي اهتماماً كبيراً بالانضمام إلى حلف «الناتو» الذي يركّز عليه بوتين، بقدر اهتمامها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي مهمة صعبة التحقق بالنسبة لبلد كبير مثل أوكرانيا لا تزال بناه السياسية والاقتصادية تقاوم التحديث.
اليوم بعد 8 سنوات، يبدو الرئيس بوتين عازماً على إنجاز المهمة التي لم يُنهِها عام 2014. حجّته أن حلف «الناتو» يقترب من حدوده، لكن تبريره هذا لا يبدو مُقنعاً بالكامل.
«قيصر الكرملين» يهاجم «الغرب العسكري»، لكنه قلق أكثر من «الغرب السياسي» دون أن يبوح بذلك. بوتين تُزعجه الأجيال الصاعدة التوّاقة للحاق بالاتحاد الأوروبي، حيث الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، وعندها تتعقّد مشاريعه وطموحاته داخل روسيا وحولها.
حجته عن اقتراب «الناتو» من حدوده لا تبدو متماسكة؛ ذلك أن هذه المؤسسة الغربية الدفاعية تبدو هي الأخرى فاقدة للبوصلة ولم تعد تعرف توصيف مهامها (its job description) في عالم اليوم. القائمون على «مديرية العمليات» في هذا الحلف لم يقوموا على مدى أكثر من عقدين من الزمن بأكثر من تدخّلين، كلاهما فاشل. تدخلوا في أفغانستان وبقوا عشرين عاماً هناك ثم انسحبوا من دون تحقيق شيء كبير. «طالبان» هزمتهم تكتيكياً. كما تدخّلوا، بعمليات جوية خاطفة، لتسريع إطاحة نظام القذافي بعد الثورة الليبية الشعبية عام 2011، وكانت تلك المهمة أيضاً فاشلة أخلاقياً؛ إذ لم يكسبوا سوى نقمة الناس.
ربما لا أحد يعرف بالضبط الخطط الحالية لبوتين ودوافعه العميقة؛ لأنه زعيم يفعل أكثر مما يتكلم، وهي خاصية تُحسب له. واحدة من الفرضيات، أنه يريد قطع الطريق أمام الاتحاد الأوروبي حتى لا يعقد مع أوكرانيا شراكات أعمق تقرّبها يوماً من الانضمام، مستغلاً (بوتين) في ذلك الضعف الحالي للاتحاد، لا سيما بعد انسحاب المملكة المتحدة وتنحّي القيادات المخضرمة مثل أنغيلا ميركل. ربما يريد أيضاً توسيع نفوذه عسكرياً مستغلاً تخلي «أميركا - بايدن» عن «حروب الخارج». وربما يتطلع إلى تعزيز النفوذ في الفضاء السوفياتي السابق تفادياً لأي «ثورات ملوّنة» يُحرّك خيوطَها الغرب، كما يعتقد.
ومهما تكن دوافعه، فإنه كسب دعماً ثميناً بوقوف الرئيس الصيني شي جينبينغ معه في المعركة. الزعيمان «الشيوعيان» يعتقدان أن هناك مناخاً غربياً مشتركاً يستهدفهما، سواء في أوكرانيا والجمهوريات السوفياتية السابقة أو في تايوان وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي.
وهكذا، فإن العالم يحبس أنفاسه اليوم استعداداً لـ«حرب باردة» جديدة تلوح في الأفق، يرى ملامح بداياتها، لكنه لا يعرف نهاياتها.