إعادة الاعتبار إلى التفاصيل

إعادة الاعتبار إلى التفاصيل

الثلاثاء - 10 جمادى الأولى 1443 هـ - 14 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15722]
داود الفرحان
كاتب عراقي

يقول المثل العالمي: «الشيطان يكمن في التفاصيل»، وهو تعبير اصطلاحي يشير إلى احتمال أن تكون أي جريمة أو حادثة أو قضية أو انتخابات أو اتفاقية أو قرار أو ميزانية أو معاهدة أو قانون أو دستور أو أي سطور قليلة، فيها تفاصيل وأسباب والتواءات وزوايا ودهاليز وسراديب، غير واردة في الذهن أو الرواية أو البيان أو الخطة أو الكلام الناعم.
علينا أن نتوقع عناصر غامضة أو تكرار كلمة «لكن» في التفاصيل التي لم تكن في «قض أو قضيض» ما تم الاتفاق عليه أو ما حدث أو ما كان مقرراً.
وأصل المثل يعود إلى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، لكنه استدرك قائلاً؛ هل الشيطان وحده يكمن في التفاصيل؟ ربما نيتشه هو من يكمن فيها أيضاً.
إليكم تفاصيل غارة جوية أميركية على مدنيين سوريين، غالبيتهم من النساء والأطفال. بتاريخ 18 مارس (آذار) 2019 شنت القوات الأميركية في سوريا غارة جوية تسببت في مقتل 80 شخصاً، كلهم من المدنيين العزل. مع أن طائرة مسيّرة (درون) أميركية حلقت في اليوم السابق في بلدة الباغوز في محافظة دير الزور المحاذية للحدود العراقية شرق البلاد بحثاً عن «الدواعش». لكن الطائرة لم تصور سوى حشد كبير من النساء والأطفال متجمعين على ضفاف نهر الفرات.
في تلك الأثناء اخترقت طائرة أميركية طراز «إف - 15» مجال الرؤية للمسيّرة وأسقطت قنبلة تزن 500 رطل على التجمع النسائي. ثم ألقت الطائرة قنبلتين إضافيتين، تزن الواحدة منهما 2000 رطل، قتلت 80 امرأة وطفلاً وبعض الرجال، قيل أنهم «دواعش» لتبرير القصف العشوائي.
كانت غارة الباغوز واحدة من أكبر المآسي التي سقط فيها ضحايا مدنيون أبرياء في الحرب على «داعش». لكن الجيش الأميركي لم يعترف رسمياً أو علناً بالجريمة الهمجية، وقد خلا التقرير الذي رفع إلى المفتش العام في البنتاغون من أي إشارة إلى الجريمة. لكن ذيوع خبر المأساة دفع الجيش الأميركي إلى إبلاغ لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، علماً بأن كبار المسؤولين الأميركيين العسكريين تحايلوا للتستر على الضربة المميتة وتفاصيلها.
وحسبما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» فإن الغارة شنتها وحدة سرية تابعة للقوات الخاصة، تعرف باسم «فرقة العميل 9»، وهي معروفة بأنها «تتحايل» بشكل منهجي على قواعد الجيش لإخفاء مقتل مدنيين. وكانت حجة الفرقة «وجود خطر وشيك». وزعمت الفرقة القاتلة أن 80 في المائة من الضربات الجوية التي نفذتها كانت «دفاعاً عن النفس». وثبت أن فرقة «التحايل» ارتكبت وتورطت في نحو واحد من كل 5 حوادث بإزهاق أرواح مدنيين في المنطقة.
واعترفت لأول مرة القيادة المركزية التي أشرفت على الحرب الجوية في سوريا بأن تحقيق صحيفة «نيويورك تايمز» بالضرب كان دقيقاً، مشيرة إلى أن 80 شخصاً قتلوا. لكنها، كالعادة، قالت إن الضربات الجوية كانت «مبررة»، زاعمة أن القنابل قتلت 16 مقاتلاً من «داعش» و4 مدنيين. أما بالنسبة للقتلى الستين الآخرين، فقالت: «لم يتضح أنهم مدنيون»! ولحسن الحظ أن طائرات الدرون التقطت صوراً عالية الجودة، أظهرت وجود رجلين أو 3 مسلحين، وليس 16 مسلحاً، كما لم يكن يبدو عليهم أنهم كانوا يناورون أو يشتبكون مع قوات التحالف، أو يتصرفون بطريقة تبدو أنها تبرر قصفهم للدفاع عن النفس بقنابل تزن 2000 رطل. ووصف ضابط قانوني أميركي الكارثة بأنها «جريمة حرب»، وجرّفت قوات «التحالف» بقيادة الولايات المتحدة موقع الانفجارات لإخفاء آثار ما جرى.
يقول الشاعر السوري الراحل نزار قباني: «تذبحني التفاصيل الصغيرة»، كأنه حين كتب قصيدته كان مستلقياً على ضفاف نهر الفرات مع تلك الأسر المنكوبة التي أغفلتها عمداً تلك الوحدة العسكرية الأميركية «فرقة العميل 9» و«سقطت التفاصيل تحايلاً» وليس سهواً.
وأكثر من ذلك أضعافاً مضاعفة ما قذفته الطائرات الأميركية القاصفة على المدنيين العراقيين في حربي 1990 و2003 بالإضافة إلى الصواريخ البعيدة المدى وأسلحة محرمة.
من الأمثلة السياسية الشهيرة التي يكمن فيها الشيطان فعلاً في التفاصيل، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1967 في أعقاب الحرب العربية - الإسرائيلية. وقد جاء القرار كحلّ وسط بين عدة مشاريع قرارات، وورد في الفقرة «أ»: «انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير». وفي التفاصيل الشيطانية تم حذف «أل» التعريف من كلمة «الأراضي» في النص الإنجليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار. وقد نص القرار نفسه على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمناً بإسرائيل بدون ربط ذلك بحلّ قضية فلسطين التي اعتبرها القرار الشيطاني «مشكلة لاجئين». ومنذ 1967 وحتى اليوم ما زالت «أل» التعريف جاثمةً على جثمان تلك الحرب، ولولا حرب أكتوبر (تشرين الأول) لما استطاعت مصر تحرير أراضيها المحتلة في سيناء.
وفي السياسة أيضاً، لأنها شغلنا الشاغل، منذ 2003 جرت في العراق المحتل 5 انتخابات نيابية، في كل منها شيطان داخل صناديق الانتخابات يتشبث بالسلبيات، ولا علاقة له بالإيجابيات، كما هو الحال اليوم، حيث إن ما يسمى «الإطار التنسيقي» الذي يضم الأحزاب والميليشيات الشيعية الخاسرة في الانتخابات الأخيرة يرفض النتائج النهائية التي أعلنتها مفوضية الانتخابات ويهدد بمنع انعقاد جلسة البرلمان المقبلة. بينما يشكو مستقلون أعلنت المفوضية فوزهم، ثم تراجعت، من أن المفوضية «سرقت مقاعدهم» بسبب شياطين التفاصيل.
ومنذ أكثر من شهر جرت محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بواسطة 3 طائرات مسيّرة «درون»، وأعلن الكاظمي نفسه أن لجنة التحقيق في المحاولة جمعت «خيوطاً مهمة»، وطلبت اللجنة مزيداً من الوقت لأن الشيطان ما زال نائماً في التفاصيل، على الرغم من الاتهامات الواضحة التي طالت الميليشيات الموالية لإيران.
يتعمد الروائيون المتخصصون بروايات الجريمة الغامضة تشويش القراء وتشويقهم لكشف الشيطان الكامن في تفاصيل الجريمة. وهذا أمر طبيعي مثل التحقيقات الجنائية بحثاً عن القاتل. لكن هناك من الأدباء من يكتب روايات سياسية أو تاريخية، ويترك للقراء تخمين موقع الشيطان في التفاصيل، ومن هؤلاء الكاتب الأميركي دان براون مؤلف رواية «شفرة دافنشي» التي تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح من بطولة توم هانكس، والتي تتناول في جانب منها الحركة الصهيونية وبروتوكولات حكماء صهيون والحركة الماسونية وتاريخ المسيحية. وبعض كتبه تتناول حركة التاريخ وشياطينه الكامنة، ومن أقواله المهمة: «نحن لا نزال نقيس (الدقة التاريخية) لأي موضوع عن طريق مطابقته لما سُجل في التاريخ، لكني أعتقد، كما يعتقد كثير من المؤرخين، أننا يجب أن نسأل أنفسنا أولاً؛ ما مدى دقة التاريخ نفسه؟»، ولأن دان براون يؤمن بنظرية «الشيطان يكمن في التفاصيل» فإنه يكثر من حديث المتناقضات بين فلسفتي العلم والدين.
في الحرب العراقية - الإيرانية الدامية، قال أحد كبار المسؤولين العراقيين إننا قادرون على الصمود «حتى لو استمرت الحرب عاماً كاملاً». واستمرت الحرب 8 سنوات لإصرار المرشد الإيراني خميني على استمرارها «لتحرير فلسطين»، رافعاً شعار «تحرير فلسطين يمر بكربلاء». وقد احتل الأميركيون العراق كله ثم احتل الإيرانيون كربلاء والنجف ومحافظات أخرى منذ 2003 حتى اليوم بسبب التواطؤ والتخادم الأميركي - الإيراني، ولم يحرر الإيرانيون شبراً واحداً من الأراضي الفلسطينية. ودفع البلدان مئات الألوف من الضحايا، لأن أحداً من الجانبين لم يقرأ التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان. وفي حرب 1990 وحرب 2003 كانت الشياطين تتقافز في تفاصيل ما حدث.
يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: «نحن نفكر في العموميات، لكننا نعيش في التفاصيل الدقيقة التي لا يقرأها أحد».
في الحقيقة، التفاصيل مملّة، لكنها قد تكون قاتلة؛ مهندس بناء نسي أهمية توازن متر واحد في العمارة، مكتوب بخط ناعم في التفاصيل، فانهارت العمارة. ومهندس صيانة الطائرات قد يغفل استبدال كابح العجلات المستهلك، فيقتل كل الركاب.
مَن يعيد الاعتبار إلى تفاصيل حياتنا، مِن الاسم، وتاريخ الولادة، وسُلّم التعليم، والأسرة، والعنوان، والحروب، والملاجئ، والحكومات... إلى سبب بقائنا أحياء حتى الآن؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو