خطاب السعادة... و«الخديعة الكبرى»

خطاب السعادة... و«الخديعة الكبرى»

الخميس - 5 جمادى الأولى 1443 هـ - 09 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15717]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

لا يزال خطاب السعادة المكرر في الميديا يمارس فضائحيته المعرفية، فهو خطاب آيديولوجي أحياناً ونفعي في بعض الأحايين، ولا يمكن تقويم هذا الخطاب المعلّب إلا بمنازلته ومحاججته بالطرق المعرفية الدقيقة، وبالدراسات الرصينة، ومن ذلك ما نشرته مجلة «حكمة» بعنوان «خديعة السعادة» من تأليف: كودي - ديلستراتي، وفيها تساؤل عميق خلاصته: كيف أضحت المشاعر الإيجابية ناحية مرتبطة بالعمل التنافسي المستمر، وهدفاً مستحيلَ التحقيق يقودنا إلى التعاسة؟! وفي هذه المساحة سأعرض أبرز الأفكار التي تم تناولها في البحث وبشكلٍ مختصر.
وبطبيعة الحال - كما يقول المبحث -: «لم يكن مفهوم السعادة دوماً على ما هو عليه الآن. فمثلاً، يتميز مفهوم السعادة في الفلسفة الأبيقورية - الذي تبناه توماس جيفرسون حينما كلّف الأميركيين بتقدير (الحياة والحرية والسعي إلى السعادة) في إعلان الاستقلال - بكونه أكثر بساطة واختلافاً من المفهوم الحالي. وبحسب أبيقور، فإن السعادة هي غياب الألم الجسدي والاضطراب الذهني. ولم يتمحور هذا المفهوم حول السعي نحو الكسب المادي أو خوض التجارب الممتعة، بل قدّم سعادة تقوم على شعور دائم بالامتنان. فطالما أننا لا نختبر ألماً ذهنياً أو جسدياً، يمكننا، بحسب هذا الفهم للسعادة، أن ننعم بالرضا والقناعة».
يضيف البحث بأن: «ينظر المفكرون المعاصرون إلى السعادة باعتبارها وفرة من العافية أكثر منها غياباً في الألم». فعلى سبيل المثال، حدد عالم الاقتصاد الإنجليزي ريتشارد لايارد ما يمكن اعتباره «اقتصاديات السعادة»، التي تشكّل اليوم أساس استبيان سنوي يُسمى «تقرير السعادة العالمي»، الذي يقيس مدى تأثير دخل الفرد وثروة المجتمع على السعادة. ولكن، وبصورة مشابهة لأبيقور، يَعتبر لايارد أن الصحة الذهنية هي العامل الأكثر أهمية للسعادة، كما وضّح في كتابه «السعادة: دروس من علم جديد».
ثم يعاود المبحث النقاش حول السعادة وجذرها اللغوي، وعلاقتها بالحظوظ: «أين كانت البداية التاريخية لفكرة السعادة المرتبطة بالتجارب القصوى؟ عندما دخلت كلمة «سعيد» (happy) معجم اللغة الإنجليزية، حوالي القرن الرابع عشر الميلادي، كانت تحمل معنى قريباً إلى كلمة «محظوظ» (lucky)، لكون حالة الفرد وصحته وسعادته اعتبرت وقتها أمراً عائداً للقرار المطلق للإله الكاثوليكي. (من المرجح أن كلمة «الحظ» luck ظهرت أولاً، ومنها اشتُقت كلمات مثل «سعيد» happy ذات الصلة بكلمة «المصادفة» happenstance). ولم تحمل كلمة «سعيد» معنى «مبتهج» أو «مسرور» حتى القرن السادس عشر. وفي منتصف القرن السابع عشر، طرح توماس هوبز، في كتابه اللفياثان Leviathan، السعادة بوصفها عملية أبدية لمراكمة الأشياء المرغوبة، معيداً تعريفها على أنها شعور ذاتي متبدّل قائم على رغباتنا. وكتب عام 1651: «إن بهجة هذه الحياة لا وجود لها في راحة العقل القانع. لأنه لا وجود لأي هدفٍ سامٍ أو خيرٍ مطلق كتلك المذكورة في كتب الفلاسفة الأخلاقيين السالفين».
لكن ماذا عن التجارب السعيدة والسعادة؟!
«بحسب هوبز، يمكن الوصول إلى سعادة ذات مغزى عبر السعي نحو التجارب المبهجة. واعتقد هوبز بعدم وجود حالة ثابتة من الرضى (راحة العقل القانع)، وقصد أبيقور بصورة غير مباشرة (كتب الفلاسفة الأخلاقيين السالفين)، كما آمن بضرورة السعي المتواصل نحو السعادة، وبأن طبيعتها العابرة وسريعة الزوال تمثل ميزّة لا مشكلة. لذا إن أردنا البحث عن أصل مفهوم (التجارب القصوى) المعاصر، فيمكننا أن نبدأ انطلاقاً من فكرة هوبز، التي اعتبرت فكرة ضالة في ذلك الوقت».
أما عن أبرز الإشكالات فيصر المبحث على أن السعادة تبقى: مفهوماً مليئاً بالإشكالات. «ما هي السعادة؟» يسأل مدير الإعلانات دون داربر من مسلسل Mad Men بنبرة معاصرة مستمدة من فلسفة هوبز، قبل أن يجيب: «هي تلك اللحظة التي تسبق حاجتك إلى مزيد من السعادة». وفي واقعنا المعاصر، نميل إلى السعي خلف السعادة عوضاً عن انتظارنا لها. ونحاول جمع لحظات السعادة كما أصداف الشاطئ، حتى ولو كانت أمواج البحر تجرفها بعيداً في نهاية المطاف، وهو سعي كادح وعبثي، يقود إلى طريق حتمية من الإحباط».
ولا يهمل المبحث صورة السعادة في «السوشيال ميديا»، حيث لا يعثر الإنسان على كينونته إلا من خلال استعراض لحظته، في الحل والترحال، يقول البحث: «لا توجد صورة تمثّل حالة الفراغ الوجودي المعاصرة بشكل أفضل من أولئك الذين يسافرون حول العالم وينشرون باستمرار صوراً للمطاعم والمعالم التي زاروها على شبكات التواصل الاجتماعي، ويمارسون السعادة بشكل تنافسي على حساب إنشاء اتصال حقيقي مع أقرانهم. وخلال سعيهم ليكونوا أكثر سعادة - وبالتالي أفضل - من الآخرين، يُخاطر هؤلاء بفقدان الاتصال مع الآخرين أنفسهم، لينتهي بهم المطاف إلى معادلة صفرية خاسرة».
ثم يقرر البحث أن درب السعادة لا يمكن أن يكون من دون قبول التعاسة أيضاً، فـ«أحد حلول معضلة السعادة - التي نريد خلالها أن نكون سعداء من دون أن نتسبب لأنفسنا في فقدان الاتصال أو الأذية - يكمن في إعادة مواءمة أنفسنا مع الفلاسفة الرومانسيين، الذين تقبّلوا مشاعرهم المبهجة والحزينة على حد سواء. وهنا نستذكر ما كتبه جون كيت في قصيدة عن الكآبة Ode on Melancholy (1819): «نعم، في معبد البهجة تقبع الكآبة بمقامها الملكي». خلال عيد الفصح، يسكب اليهود بضع قطرات من النبيذ على الأرض قبل أن يبدأوا الشرب، كوسيلة لتذكّر المآسي قبل الولوج في المسرّات (وأيضاً، حين يتزوج اليهود المتدينون، فإنهم يدوسون على كأس من الزجاج لتذّكر الأحزان قبيل الوصول إلى حياة السعادة). وقد يمثل مفهوم تقبّل الكآبة هذا طريقة للخروج من سجن السعادة ونهايته الحتمية الخاسرة، إذ إنّه يقود إلى الخيبة عند السعي خلف السعادة، ويضمن عدم تحقيقها مطلقاً دون ذلك السعي. وقد لا نصل مطلقاً إلى الرضا ما لم نكن مستعدين لتقبّل مشاعرنا السلبية. والحقيقة أن تلك المشاعر السلبية قد لا تكون على هذا القدر الذي نتصوره من السوء. إن الحزن، على سبيل المثال، ينطوي على مجموعة واسعة من التوظيفات الإيجابية».
كتب عديدة تطرح يومياً في العالم حول السعادة وبشكلٍ مخادعٍ أحياناً... إنها الخديعة الكبرى التي تتداول وتكرر في المنصات والبرامج والدورات التدريبية. إن السعادة جزء من لغزية الإنسان وتصوراته عن العالم والحياة والناس. من الضروري إعادة قيمة البحث العلمي حول السعادة لمواجهة الكلام العاطفي والخداع اللغوي والنفسي، وأحسب أن هذه الدراسة كانت ضافية ومعاييرها العلمية عالية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو