على خطى ما كتبت من كاريكاتيريات ابن الرومي، أبدع أبو القاسم بن حسن الواساني، وهو من شعراء القرن الرابع من أهل دمشق في هجائياته وشغل نفسه في مهاجمة الكثيرين من معاصريه بأشعار تتردد المصادر الأدبية في نشرها. اضطرت السلطات في الأخير إلى طرده من عمله لإيغاله في الفحش. ونجده في قصيدته اللامية يتناول القلم ويرسم هذه الصورة الكاريكاتيرية لمنشا ابن القزاز الذي خاصمه:
فمر بي في الظلام أكلح كالنيل
عريض الأكتاف ذو عضل
أشفر له منخر ككوة تنور
وعين سجراء كالشعل
ومشفر مسيل كخب رحى
على نيوب مثل المدى عصل
مشقق الكعب أفدع اليد
والرجل طويل الساقين في سمل
هذا ورب السماء أعجب من حمار
وحشي في البر منتعل
أردد يا نصر كي أسائله
فشأنه عضلة من العضل!
ويقال إن هذه القصيدة المضحكة في تصويرها للرجل كانت السبب في إزاحته من منصبه. الواساني لا يواسي، ولا يواسي حتى نفسه، فقد كان متبرما كثير الشكوى. لم أسمع برجل كهذا الشاعر يستضيف أصحابه ويولم لهم وليمة سخية ثم يهجوهم بهذا الوصف:
أكلوا لي من الجرداق ألفين
بدبس يسيل كالقطران
أكلوا لي ما حولها ثم مالوا
كذئاب إلى سميد الفران
أكلوا لي من الجداء ثلاثين
وسبعا بالخل والزعفران
أكلوا ضعفها شواء وضعفيها
طبيخا من سائر الألوان
أكلوا لي تبالة تبلت عقلي
بعشرين من الدجاج سمان
أكلوا لي فطيرة ضاعفت ضري
برؤوس الجداء والحملان
أكلوا لي كشكشية كشكشت قلبي
وهاجت بفقدها أشجاني
ومن البيض والمخلل ما تعجز
عن جمعه قرى حوران
ثم راحوا بعد العشاء إلى داري
فلم يتركوا سوى الحيطان
وكل ذلك بعد أن يرسم هذه الصورة القبيحة لضيوفه، روم وصقالبة وبلغار وهنود وأعاجم وبربر، كما يعدهم، ثم يمضي فيقول:
كل شكل ما بين حدب وحول
وأصم والعمى والعوران
وشيوخ حب البطون وشباب
رحاب الأشداق والمصران
كل ذي معدة تقعقع جوعا
وهو شاكي السلاح بالأسنان!
