«داعش» في أفريقيا: المسكنات لا تُجدي!

«داعش» في أفريقيا: المسكنات لا تُجدي!

السبت - 5 شهر رمضان 1442 هـ - 17 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15481]

صحيح أنه لم تشهد جماعة أو حركة عبر التاريخ تحالفاً ضدها كما واجهته «داعش»، وأقصد بذلك التحالف الدولي ضدها عسكرياً وفكرياً وشعبياً. وصحيح أيضاً أن هذا التنظيم مات شكلاً هنا أو هناك، إلا أنه ما زال قائماً فكراً ومضموناً، ولا يلبث أن يسعى لإعادة بناء هيكله التنظيمي متى ما توفرت له الحركة والفرص. ورغم التعاون الأمني والاستخباراتي الدولي، فإن «داعش» ما زال يمثل تحدياً للإرادة الدولية ما دام لم يتم اقتلاع أسباب نشوء هذا الفكر ودوافعه ومحفزاته، ناهيك عن استغلاله كورقة في ميزان معادلات القوى في الصراعات بين أطراف ودول خارجية كما حدث في سوريا وليبيا. بعيداً عن التبسيط نقول، إن المسألة هنا أكبر مما يُطرح من تنظير كون الصراع هنا فكرياً في المقام الأول؛ ما يعني أنه قد يتعرض للمرض والضعف والوهن أحياناً، ولكن ليس الموت أو التلاشي. بعبارة أخرى، «داعش» قد يختفي من الساحة وهذا ما حدث فعلاً، ولكن لا نستغرب أن يظهر مرة أخرى بعد أشهر أو بضع سنوات، وهذا ما يحدث الآن في بعض الدول إن أردنا الحقيقة.
الجماعات الراديكالية مرفوضة ديناً وأخلاقاً وقانوناً، وستبقى كذلك، ولكن عندما يقول مسؤول أمني كبير في المملكة المغربية، إن الساحل الأفريقي «يشهد ولادة جديدة لتنظيم (داعش)»، فإن هذا كلام مهم يجب التوقف عنده؛ لأنه دال على الشفافية والجدية ونقل الواقع كما هو لا كما يجب أن يكون، ففي لقاء خاص مع قناة «العربية» قال حبوب الشرقاوي، رئيس المكتب المركزي للتحقيقات القضائية المغربية، «إن التهديد الذي يواجهه المغرب يتمثل في عودة المقاتلين من سوريا والعراق وليبيا وعمليات الذئاب المنفردة وانتشار الجماعات المتطرفة والسلاح»؛ ما يعني أن التنظيم يسعى لإيجاد «موطئ قدم له» في تلك المناطق. كما كشف الشرقاوي عن «ارتباط وثيق لخلية وجدة بقيادي (داعش) في منطقة الساحل أبو الوليد الصحراوي» الذي ينتمي إلى جبهة البوليساريو. وكان المغرب قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران بعد تقديم «حزب الله» اللبناني دعماً لوجيستياً وعسكرياً لمعسكرات الجبهة.
محاولات عودة التنظيم أمر مزعج ومقلق، ولكن يبدو أن الأمور تسير في اتجاه إعادة تموضعه وبهدوء مريب وبدعم من دول إقليمية لها مصلحة في ذلك، والغريب هو صمت المجتمع الدولي إزاء أفعال هذه الدول في استخدام جماعات إرهابية لأجندتها الخاصة. وجود بيئة مشجعة يعني تنشيطاً لمفاعيل التنظيم وأدواته والمشهد العراقي دليل حي على التدخلات السلبية الإيرانية، وأيضاً قد نرى عودة قوية للجماعات المتشددة بعد خروج القوات الأميركية من أفغانستان. أفعال التنظيم تنمّ عن رغبة وقناعة وعقيدة مدركين لحجمها وأبعادها كونهم ينطلقون من رؤية شاملة وفق أدبياتهم التي تبدأ من النكاية والإنهاك، ومروراً بالتوحش لتصل إلى التمكين؛ ولذا قد لا تجد اختلافاً جوهرياً ما بين «القاعدة» و«داعش» من حيث الآليات والنهج والوسائل، وإن اختلف ترتيب الأولويات ما بينهما.
لا غرابة أن تنشط كوادر تنظيم «داعش» في أفريقيا، فولاء الآيديولوجيا أشد عمقاً وضراوة من أي ولاءات أخرى؛ ولذا إعادة التجنيد لا يستغرق وقتاً. إعادة تشكل الحركات الراديكالية وتوالد الخلايا يتم في البيئة الرخوة والساحات غير المستقرة، خصوصاً بتوفر رافد مالي من دولة كإيران التي عادة ما تدخل على الخط مستغلة أي حدث.
تعيش إيران مع الضغوط عبر وسائل غير مشروعة وتتنافى مع القانون الدولي؛ ولذا وفي ظل ما تعانيه لم تجد أفضل حل، لإخراجها من عزلتها وتخفيف الضغوط عليها إلا عبر إشغال العالم ودول الجوار، وذلك ببث الحياة من جديد في جسد الكيان الإرهابي «داعش» ليمارس بلطجته وعدوانيته.
تقاطع المصالح نلمسه هنا وبامتياز بين أطراف في ظل خطاب متشدد وانتقائي، وبالتالي توظيف النص وفق الغايات، ومع ذلك واجه الإسلام الوسطي خلال تاريخه تحديات فكرية وثقافية، ولكنه استطاع أن يؤصل فكره ويكرس عالمية الإسلام.
ومع ذلك، تبقى المعالجة الأمنية، رغم أهميتها، جزءاً من الحل، أضف إلى ذلك أن جهود الدول العربية للمواجهة ما زالت ضعيفة. المطلوب نشر الثقافة التنويرية واقتلاع جذور التطرف عبر تعزيز التيار الوسطي والتسامح.
«داعش» ما زال يتنفس بسبب المخزون الفكري الذي لم يتلاش بعد سقوط التنظيم. المسكنات ليست كالكي. العلاج الوقتي يختلف عن العلاج الجذري، وكذلك التعاطي مع الإرهاب. فالفكر لا يواجه إلا بفكر مضاد، وبالتالي القضاء على كل شيء يحفزه للنمو والتوالد والتكاثر.
بات مطلوباً وجود رؤية فكرية وسياسية وأمنية؛ وذلك بوضع استراتيجية شاملة انطلاقاً من مراجعة الخطاب الديني ووضع خطط ثقافية وإعلامية وتعليمية تنقذ الشباب العرب من التورط في التجنيد. وبالمقابل، على الغرب ووفق هذه الرؤية أن يُعيد صياغة سياساته في المنطقة بما يخدم استقرارها وتجريم الدول المارقة التي تدعم الإرهاب وحل المشكلات المزمنة العالقة لكيلا تصبح ذريعة تُستغل لإدامة التوتر وعدم الاستقرار.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة