السياسة تدفع عملة الصين إلى المجهول

السياسة تدفع عملة الصين إلى المجهول

الثلاثاء - 13 جمادى الآخرة 1442 هـ - 26 يناير 2021 مـ رقم العدد [15400]
داود الفرحان
كاتب عراقي

منذ نحو خمسة أعوام وحتى اليوم تتساءل المؤسسات المالية الدولية عما إذا كانت الصين قادرة على تحويل عملتها «الرنمينبي» إلى منافس دولي للعملات المتداولة في أسواق المال العالمية؟
حالياً هذه العملة التي لم يسمع بها كثيرون تحتل المركز الخامس بين أكثر العملات استخداماً في المدفوعات، وثامن أكثر عملة استخداماً في المعاملات الأجنبية. الآن، طبقاً لبيانات صينية، تستطيع 242 دولة ومنطقة تجارية إكمال التسويات التجارية العابرة للحدود بالرنمينبي الذي يُعبر عنه بمصطلح «RMB».
حتى اليوم، يقف سوق المال العالمي مندهشاً وهو يتساءل: كيف أصبح الـ«RMB» عملة عالمية وهو لا ينتمي للفئة التي تضم الدولار الأميركي واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني في النظام النقدي الدولي؟
وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن في عام 2015 إدراج العملة الصينية في سلة حقوق السحب الخاصة مع الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني. وتعمل الصين منذ سنوات على تضمين اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثمارات وشراء النفط فقرات تؤكد التعامل بـ«RMB» مع تقديم تسهيلات كبيرة في التسديد بهذه العملة «الطارئة» كما وصفها بعض رجال المال في نيويورك.
وللتوضيح فإن «RMB» هو الاسم الرسمي للعملة الصينية المعتمدة في جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها في عام 1949، وتعني الكلمة «عملة الشعب». أما «يوان» فهي وحدة من عملة «RMB»، ويمكن أن يكون سعر بضاعة ما يواناً واحداً أو عشرة يوانات. ومن غير الصحيح أن نقول إن سعرها «RMB» واحد أو عشرة «RMB». نحن في الصين الآن، والصينيون أحرار في عملتهم الوطنية التي يعدّونها رمزاً للقوة الاقتصادية للتنين الصيني. ويقول الباحث الصيني شيوي تانغ من معهد دراسة الاقتصاد العالمي في الأكاديمية الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة إن بنك الشعب (المركزي) وقّع اتفاقيات تبادل عملات ثنائية مع البنوك المركزية لـ39 دولة ومنطقة في العالم، وهو ما يعد أحد أسباب تدويل العملة الصينية. لكنّ ذلك لم ينجح في «تطبيع» العلاقات التجارية بين الصين من جهة والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى. ومع ظهور «الحمائية» في التجارة والاستثمار والاحتكاك التجاري بين الدولتين في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، تباطأت بكين في استكمال دورة تدويل الـ«RMB»، وأدى ذلك إلى فترة ركود في العلاقات الاقتصادية الصينية مع الدول الأخرى.
ولم تتردد الصين في اتهام ترمب وإدارته بالتسبب في تدهور العلاقات بين البلدين بسرعة عبر فرض واشنطن عقوبات على عدة شركات ومؤسسات صينية وبعض رجال الأعمال الصينيين، ما دفع الصين إلى «الاختيار الوحيد لحماية نفسها من مخاطر العقوبات الأميركية وتجاوز هيمنة الدولار والموقع المركزي للولايات المتحدة في الشبكة المالية العالمية»، كما قالت الصحافة الصينية.
مع هذا، فإن الصين تعترف بأن «سوقها المالية متخلفة وغير منفتحة على العالم، وأن حساب رأس المال غير قابل للتمويل بالكامل»، كما قال الباحث الصيني شيوي فانغ. ونتيجة لذلك لا يمكن لعملة «RMB» أن تتحرك في الخارج بسلاسة، ما يقلل من جاذبية العملة الصينية في الاستثمار والتمويل في العالم. لكن بكين تسعى بشكل تدريجي لتلافي ذلك بربط البورصات في شنغهاي وهونغ كونغ، وبين شنغهاي ولندن. وتم إدراج الأوراق المالية الصينية والسندات الحكومية في نظام المؤشرات المالية الدولية، ما أتاح للأجانب والمؤسسات الخارجية شراء الأسهم والسندات الصينية بعملة «RMB»، الأمر الذي دفع شركات عالمية إلى فتح فروع لها في الصين، وبالتالي نشط تداول الرنمينبي داخل البلاد وخارجها.
الهدف الصيني الآن «خلط الأوراق» في النظام النقدي الدولي مع تنافس قوي في مجال العملة الرقمية. وبصراحة تتحدث وسائل الإعلام الصينية عن بناء «نظام نقدي دولي يتميز بالعدالة والحيادية والاستقرار».
هذه إطلالة على أقوى العملات قيمة في العالم خلال السنة الماضية 2020. ما زالت أربع عملات عربية في المراكز الأربعة الأولى، وهي الدينار الكويتي ثم الدينار البحريني فالريال العماني والدينار الأردني، يليها أجنبياً الجنيه الإسترليني. وتراجع الدولار واليورو إلى مراكز خلفية، مع أنهما من أكثر العملات استخداماً في العالم. ويرتبط ترتيب أغلى العملات بأسعار صرفها مقابل الدولار الأميركي الذي يُعد العملة العالمية الأولى وأوسعها تداولاً في البنوك والأسواق وتعاملات الأفراد، وليس لذلك علاقة بما تستطيع أن تشتريه بالدولار الواحد. فالدينار الكويتي يعادل أكثر من ثلاثة دولارات، والدينار البحريني والدينار العماني يعادل أيٌّ منهما أكثر من دولارين، والدينار الأردني يعادل دولاراً ونصف الدولار تقريباً. أما أضعف العملات في العام الماضي فتصدّرها الريال الإيراني، لا شماتة. يليه البوليفار الفنزويلي، والدونغ الفيتنامي، والروبية الإندونيسية، والسوم الأوزبكستاني، والليون السيراليوني، والفرنك الغيني.
استُعملت الأوراق النقدية لأول مرة في العالم من الصين منذ أكثر من ألف سنة خلال سلالة تانغ، واستخدمها التجار الذين أرادوا تجنب التعامل بالعملات النحاسية خوفاً من القراصنة فاستعاضوا عنها بالأوراق النقدية. أما في أوروبا فقد عُرفت لأول مرة في السويد من مصرف استوكهولم. ولم يرَ النور الدولار الأميركي الورقي إلا في عام 1862 بفئة الدولار الواحد فقط.
من المفارقات أن مجموعة من سبعة بنوك مركزية كبرى تشمل مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي، شرعت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في تحديد الشكل المحتمل الذي ستبدو عليه عملة رقمية للمساعدة في اللحاق بدور ريادي للصين في هذا المجال. وإلى جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي وبنك إنجلترا، فإن البنوك السبعة التي تحالفت مع بنك التسويات الدولية تشمل البنك المركزي الأوروبي، والبنك الوطني السويسري، وبنك اليابان المركزي، تآزرت للوقوف أمام الصين التي أعلنت أنها ستعزز انتشار عملتها في عالم يهيمن عليه الدولار سواء تحت حكم الجمهوريين أو حكم الديمقراطيين. حتى اليابان تخلت عن صمتها التاريخي على لسان كينجي أوكامورا، وهو أكبر دبلوماسي ياباني معنيّ بالشؤون المالية، إذ صرّح قبل ثلاثة أشهر بأن التحالف المالي الدولي ينبغي أن يخاف من إصدار الصين عملة رقمية خاصة بها بقيمة عشرة ملايين يوان (1,5 مليون دولار) «قد تهيمن على العالم كله». والحل الأوروبي – الأميركي – الياباني ليس سحرياً، لكنه إصدار عملة رقمية تشارك في سباق العملات الرقمية.
مع ذلك فإن «الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن أحياناً» ففي الأسبوعين الماضيين تسابقت المصارف التجارية الصينية الكبرى لبيع العملة الصينية «ذات نفسها» وشراء الدولار! وفي كل الأحوال تظل هذه السجالات، مثل لعبة «البينغ بونغ»، تحتاج إلى أكثر من لاعب وأكثر من زاوية وأكثر من نقطة. وفي عالم المال، خصوصاً المال الحرام، الأسماك الكبيرة تأكل الأسماك الصغيرة، وشاهدوا ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
يعد اقتصاد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد اقتصاد الولايات المتحدة، وتجاوز اقتصاد اليابان في عام 2009، والصين تُعَدّ أسرع اقتصاد نامٍ والأسرع في العقود الثلاثة الأخيرة بمعدل نمو يتخطى عشرة في المائة. أدى هذا التطور السريع إلى أن تصبح الصين أكبر دولة تجارية وأكبر مُصَدِّر وثاني أكبر مستورد في العالم. هذا الاقتصاد المذهل لم يتطلب حسب رأي «B B C» أكثر من سبعين عاماً لتتحول الصين من دولة معزولة إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في عصرنا. يقول كريس لونغ، الخبير الاقتصادي في بنك سنغافورة للتنمية: «إن الحزب الشيوعي حين تسلم مقاليد الحكم في البلاد كانت الصين فقيرة جداً ولم يكن لها أي شركاء تجاريين ولا علاقات دبلوماسية واسعة. كانت الصين تعتمد كلياً على الاكتفاء الذاتي».
بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 في العراق طلب رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، من رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي، تقديم مساعدات للجمهورية الفتية التي لمع فيها الحزب الشيوعي العراقي، فلم تجد بكين ما ترسله إلى العراق أكثر من أفلام صينية آيديولوجية مملّة وفرقة رقص شعبية رائعة!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة