د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث أكاديمي ليبي. أستاذ مشارك في جامعة بنغازي الليبية. مهتم بالكتابة في القضايا العربية والإسلامية، وكتب في الشأن السياسي الليبي والعربي في صحف عربية ومحلية؛ منها: جريدة «العرب» و«القدس العربي» و«الشرق الأوسط» اللندنية. صدرت له مجموعة كتب؛ منها: «رؤية الثورات العربية» عن «الدار المصرية اللبنانية»، و«الحقيقة المغيبة عن وزارة الثقافة الليبية»، و«ليبيا بين الفشل وأمل النهوض». وله مجموعة قصصية صدرت تحت عنوان «معاناة خديج»، وأخرى باسم «أيام دقيانوس».
TT

ليبيا وأزمة الهجرة والتوطين

استمع إلى المقالة

تتعرض ليبيا لموجات من المهاجرين «غير النظاميين» كبلد عبور إلى ما يظنونها «الجنة» في الغرب، كما يتوهّم هؤلاء المهاجرون، نتيجة الظروف القاسية في بلدانهم، ولكن تبقى هناك آثار سلبية على جميع المستويات، منها الاجتماعي والاقتصادي والأمني، في بلد العبور أو المستقر للمهاجرين؛ لأنَّ تحرك أعداد هائلة، وفي ظروف مختلفة، قد يربك أي سلطات مهما كانت قدرتها على استيعاب المهاجرين واحتواء الأزمة، فما بالك بليبيا التي هي في واقعها مثقلة بأزمتها الأمنية والسياسية، ولم تخرج من السنين العجاف بعد؟

رغم ذلك، فإن ليبيا تتعامل بإنسانية مع الملف من حيث إجراءات إجلاء أو ترحيل أو إبقاء هؤلاء المتسللين للمحاكمة في ليبيا لتسللهم للأراضي الليبية، وقد يكون بعضهم قد شارك في أعمال تخريبية، أو الانضمام للجماعات المسلحة، أو حتى الانتماء لـ«داعش»، وخاصة أن إيطاليا، إحدى دول المهجر لهؤلاء، اعترفت بتسلل عناصر لـ«داعش» عبر هؤلاء المهاجرين. وبالتالي يصبح من حق السلطات الليبية معاقبة المتسللين لأراضيها بغير صفة، كما أنَّ ليبيا ليست مسؤولة عن نفقة الترحيل أو الإجلاء لمتسللين لأراضيها.

وما يشاع عن «تجارة الرقيق» والانتهاكات الأخرى ضد المهاجرين في ليبيا، في عمومه غير حقيقي، رغم أنَّ المهاجرين أغلبهم تحت سلطة ميليشيات وعصابات التهريب، وليسوا تحت السلطة الليبية بشكل مباشر، حتى يمكن أن يقع اللوم على السلطات الليبية.

تدويل قضية المتسللين الذين يسمون «المهاجرين»، له مسببات أخرى مخفية، من بينها محاولات التوطين لهم في ليبيا، واعتبارها أرضاً مشاعاً مباحاً استخدامها، من دون موافقة أهلها، وتغيير الديمغرافيا فيها بشكل يخدم مصالح القوى المتدخلة في ليبيا، والتي سبق لها أن أسقطت الدولة بحجة تغيير النظام عام 2011، من خلال التدخل عسكرياً، بشكل مباشر، في بلد غارق اليوم في فوضى الميليشيات التي تسببت فيها أوروبا، بعد أن خرَّبت الدولة دون أن تسعى لجمع السّلاح الذي تسببت في بعثرته في ليبيا، ولا حتى المساعدة في حماية المدنيين الليبيين قبل الأفارقة المتسللين من بطش الميليشيات والعصابات.

الأزمة في حقيقتها تعتبر أمنية بالدرجة الأولى وإنسانية، فهي ترتبط بانتشار أنشطة التهريب والاتجار بالبشر، وارتفاع معدلات الجريمة والعنف. فالهجرة غير القانونية لها تأثيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة على المجتمعات المحلية، التي تعاني من ضغط على الموارد والخدمات، خاصة الصحية، وحتى البنية التحتية التي هي غير مهيأة لاستقبال هذه الأعداد الضخمة من المهاجرين الذين طحنتهم رحى الحروب والجوع والفقر والمرض في بلدانهم، إضافة إلى انعكاسات سلبية على الأمن القومي الليبي والإقليمي.

من بين مخاطر الهجرة غير النظامية انتشار شبكات التهريب، فالمهاجرون يصبحون ضحايا لعصابات منظمة تستغلهم في أعمال غير مشروعة، قد يكون من بينها الإرهاب على أيدي «داعش» وأخواته.

كما أنَّ الهجرة غير النظامية تشكل عبئاً اقتصادياً وتهدد الاستقرار الداخلي، فتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين يسبب إرباكاً في الأمن وشحّاً في الموارد؛ إذ يحمل المهاجرون أمراضاً متنوعة نتيجة عبورهم دولاً عدة، مما يتسبب في تفشي هذه الأمراض بين السكان المحليين، ويصعب مقاومتها، مثل أمراض السل الرئوي والملاريا وباقي الحميات المرضية، ناهيك بالتهاب الكبد الوبائي، مما يشكل خطراً صحياً، ما لم تقدم دول الاتحاد الأوروبي المساعدة لليبيا لمواجهة هذا التدفق البشري.

أغلب المهاجرين غير النظاميين لا يحملون مالاً ينفقون منه، وبالتالي سيكونون عرضة للاتجار بهم، مما يجعلهم فريسة لمنظمات ارتبطت بالإرهاب والجريمة المنظمة، والتي تستغل طرق الهجرة لتهريب الأسلحة والمخدرات. وكثير من هؤلاء يعملون في مهن عضلية مختلفة لجمع المال الكافي لغرض إيجاد وسيلة لخوض غمار مقامرة بحرية للذهاب إلى أوروبا.

معالجة أزمة تدفق المهاجرين كما أنها تؤرق الأوروبيين، فهي أيضاً تشكل خطراً أمنياً وديمغرافياً في ليبيا؛ ولهذا يجب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع دول الجوار الليبي والاتحاد الأوروبي، من خلال الشراكة في تحسين البنية التحتية الأمنية في ليبيا، عبر التعاون مع الأجهزة الليبية لدعم الإنفاق المتبادل الذي لا يمكن أن تتكفل به ليبيا وحدها؛ لأن الأمر لا يطولها وحدها، بل يطول أوروبا كلها؛ ولذلك لا بد من تقاسم الإنفاق على الأجهزة والمعدات والزوارق والطائرات والتدريب.

أيضاً معالجة مسببات الهجرة الجذرية، مثل الفقر، والحروب والنزاعات، وانعدام الاستقرار في دول المصدر، والاهتمام بحقوق المهاجرين وظروف احتجازهم، وتقديم مساعدات للسلطات الليبية، بدلاً من اتخاذ موقف المتفرج المنتقد، كما هو الحال الآن من قبل دول الاتحاد الأوروبي المتضررة أيضاً من تسونامي الهجرة غير النظامية، كما هو حال ليبيا المتضررة ولا تجد من يساعدها في أزمة ليست من صنع ليبيا.