أخطر من أن تكون ألعاباً بهلوانية!

أخطر من أن تكون ألعاباً بهلوانية!

الخميس - 25 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 10 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15353]
حنا صالح
كاتب لبناني

شلّ الإضراب العام لبنان، وكانت «الجبهة الاشتراكية الوطنية» تطالب بتنحي الرئيس بشارة الخوري رجل الاستقلال. كان ذلك في الثامن عشر من سبتمبر (أيلول) 1952، وقد فشلت 3 محاولات لتشكيل حكومة تمت بين 15 و18 سبتمبر، فاستدعي قائد الجيش فؤاد شهاب وطلب إليه التدخل لإنهاء الإضراب. فوجئ رئيس الجمهورية بما سمعه: في البلد مشكلة سياسية ويجب أن تُحل بالسياسة، إنها مشكلة بين السلطة والمواطنين، والجيش صورة عن المجتمع وهو طري العود قد يتأثر وقد يتسبب تدخله في سفك دماء!
انتفض الرئيس الاستقلالي، الذي كانت تدعمه أكثرية نيابية موصوفة وقال: أرفض أن تسقط قطرة دم في عهدي. وعلى الفور توجه بكلمة إلى اللبنانيين قال فيها: «لقد رأيت أن أستقيل تأميناً للمصلحة العامة»، ووقّع مرسوم تأليف حكومة برئاسة قائد الجيش، فكانت ثلاثية ضمت إلى شهاب ناظم عكاري وباسيل طراد وأحيلت إليها صلاحيات الرئاسة والحكومة وكلفت بملء الفراغ في رئاسة البلاد.
من مكتبه في وزارة الدفاع الوطني، حثّ شهاب المواطنين على الحفاظ على الملكية العامة والخاصة، وطالبهم بوقف التظاهر، وحثّ القضاء على أن يعالج بشفافية مظاهر الفساد المتهم بها الشيخ سليم شقيق الرئيس، التي تسببت في اتساع النقمة. وتحرك قائد الجيش لجمع المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية على وجه السرعة، بعدما رفض دعوات أطراف سياسية أساسية للترشح إلى رئاسة الجمهورية، فانعقد المجلس النيابي في 23 سبتمبر وانتخب كميل شمعون رئيساً للجمهورية وكان أحد أركان «الجبهة الاشتراكية الوطنية». واستمر شهاب يصرف الأعمال الحكومية حتى الثلاثين من سبتمبر، عندما شكلت أول حكومة في العهد الجديد وعاد إلى دوره على رأس المؤسسة العسكرية، وهو أساساً لم يغادر ذلك الموقع، وللتاريخ زار مرة واحدة مقر رئاسة الوزراء لتوقيع البريد وعاد سريعاً إلى مكتبه في وزارة الدفاع.
ما جرى كان درساً مهماً، دفع بشارة الخوري ثمن فساد الحاشية، وتمسك قائد الجيش باحترام الدستور متجاهلاً إغراءات الرئاسة التي عرضت عليه على طبقٍ من فضة. وسيتكرر موقف اللواء شهاب ثانية بعد 6 سنوات، عندما رفض طلب الرئيس شمعون زج الجيش في الاقتتال الأهلي، الذي فجرته تجاوزات سياسية في الداخل وانحياز في أداء الرئاسة، بما تجاوز نهج الحياد الذي اعتمده لبنان منذ الاستقلال... وسيساعد الموقف العاقل للجيش في محاصرة الاشتعال ووأد الفتنة.
ويدور الزمان دورته، كانت الحرب الأهلية قد بلغت مداها مع نهاية عهد الرئيس أمين الجميل، وفشلت الجهود الخارجية بعد الداخلية من أجل «توافق» على رئيس جديد. ونقل الموفد الأميركي ريتشارد مورفي عرضاً روّجه رئيس النظام السوري بانتخاب النائب مخايل الضاهر، الذي لم يرد اسمه في لائحة الأسماء الخمسة التي وضعها البطريرك الماروني صفير بعد استمزاج آراء جهات عديدة. فكان رفض المقترح بتحريض من الرئيس الجميل، وقائد الجيش ميشال عون، وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، وعدم الأخذ بالتحذير الذي أطلقه مورفي: «مخايل الضاهر أو الفوضى»! وقبل ساعات من انتهاء ولايته يوم 22 سبتمبر 1988 ألف الجميل حكومة عسكرية ترأسها قائد الجيش عون وضمت أعضاء المجلس العسكري وهم 6 من كبار الضباط، فتم تسلم السلطة وأولى المهام وأهمها إنهاء الشغور الرئاسي. استقال الضباط المسلمون، فاقتصر عدد الوزراء على ثلاثة من المسيحيين، وعلى الفور انتقل رئيسها إلى القصر وبدأت مرحلة الممارسة الشعبوية كإعلان القصر الجمهوري «بيت الشعب»، وإلى التصرف وفق شعار: «أنا أو لا أحد».
البقية معروفة، شغل عون مركز رئاسة الجمهورية كأمر واقع 751 يوماً، تخللتها حروب مدمرة زُجّ فيها الجيش، كـ«حرب التحرير» و«حرب الإلغاء»، ثم رفض اتفاق الطائف الذي رمم البنية الدستورية، وأعلن إنهاء الحرب الأهلية، فالتمرد على انتخاب الرئيس معوض الذي اغتيل لاحقاً، إلى رفض رئاسة الرئيس الهراوي، إلى حدث 13 أكتوبر 1990. فبعدما شارك جيش النظام السوري في حرب الخليج الأولى، تهيأت له الظروف فهاجم المنطقة الشرقية وقصف بالطيران القصر الذي غادره عون سريعاً إلى السفارة الفرنسية، غير عابئ بالتداعيات، من استباحة الجيش إلى استباحة القصر الرئاسي واختطاف قرار البلد!
عمقت تلك المرحلة الجروح، واتسعت الخسائر، وكانت واحدة من أكبر الهجرات، والنتيجة إحكام قبضة النظام السوري على لبنان التي استمرت حتى انتفاضة الاستقلال في عام 2005 بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري! وانتقل البلد من تحت احتلال ممانع إلى آخر، إلى أن فُرضت صفقة التسوية الرئاسية: قرار البلد بيد الخارج الإيراني، و«لشركاء» الداخل فتات الحكم، وعون حقق حلمه فبات صاحب الفخامة، وتعمقت عزلة البلد الأسير لدى محور الممانعة، وإذا ما عُطف اختطاف الدولة على تفاقم المحاصصة، بان الفساد الذي ما كان ليستشري، لولا أنه استند إلى سلاح غير شرعي وتغول الدويلة!
جاءت ثورة 17 تشرين الشعبية والسلمية في لحظة فاصلة، أماطت اللثام عن بشاعة منظومة الحكم، وعرّت تجاوزاتها وكشفت حجم المنهبة التي أفقرت البلد وجوعت بنيه. أدخلت ثقافة جديدة كسرت تصنيم زعامات وقيادات ودلت على مسؤوليتهم، وكيف استبيحت الحقوق وأهدرت، ورسمت الطريق المفضي إلى الحل وصولاً إلى إنجاز هدف إعادة تكوين السلطة، وقالت إن المدخل حكومة مستقلة بالكامل، مع قطيعة كاملة مع الطبقة السياسية التي استأثرت بقرار البلد منذ 3 عقود وأوصلته إلى التلاشي!
سريعاً جاء الرد؛ شكل «حزب الله» حكومة واجهة أُريد لها أن تكون العقاب للثائرين من أجل الحقوق والكرامة، لتسقط غداة أكبر تفجير كيماوي في التاريخ رمّد نصف بيروت، لكن السلطة الفعلية لم تهتز ومعها كل من «كان يعلم» ماذا في المرفأ! راح العالم يناشد: شكلوا حكومة ذات مصداقية ولتكن مصلحة بلدكم الأولوية لتحصلوا على الدعم، فارتدوا إلى محاولة تجديد المحاصصة وتحديد الأحجام والأدوار فترة ما بعد انتهاء الولاية! وفيما اللبناني محاصر بالموت إما جوعاً أو بالوباء، عادت «حليمة إلى عادتها القديمة» بالإمعان في ممارسات تغيير الدستور في مرحلة حساسة لا تسمح بترف أو إهمال! فبدأت ممارسات تشي بأن مجلس الدفاع الأعلى، المعني بتنفيذ قرارات التعبئة والخدمة العسكرية المنوطة بالسلطة السياسية، يتحول إلى نوع من مجلس رئاسي مع ضغط لاستحواذه على صلاحيات السلطة الإجرائية، فتيقن كثيرون أن القصة أبعد من أن تكون مجرد بهلوانيات، وأن الممسكين بالقرار «لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً»، وهم جادون في تحضير وضعية لبنانية تستبق متغيرات الإقليم ولا تقيم وزناً للداخل اللبناني!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة