عدم الانحياز «65 بلس»... الذاكرة والدروس

عدم الانحياز «65 بلس»... الذاكرة والدروس

الأربعاء - 17 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 02 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15345]
فيتالي نعومكين
رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

بحلول أبريل (نيسان) عام 1955، انقسم العالم انقساماً قاسياً إلى معسكرين عملاقين من دول معادية بعضها لبعض: رأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، واشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي. وبإنشاء منظمة «معاهدة وارسو (حلف وارسو)» في 14 مايو (أيار) من العام نفسه، رداً على انضمام جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، اتخذ الانقسام إلى قطبين، في تلك الحقبة من «الحرب الباردة»، شكل تكتل عسكري واضح المعالم.
قبل ذلك بفترة قصيرة عمَّ استقرار نسبي هش الجزء الآسيوي من العالم، استمر حتى أوائل الستينات. في الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا، تعايشت ثلاث دول «ثورية» ناشئة هي: جمهورية الصين الشعبية، وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، وجمهورية فيتنام الديمقراطية، مع ثلاث دول موالية للغرب هي: تايوان وكوريا الجنوبية وفيتنام الجنوبية، وجرى في الفترة نفسها قمع القوى الشيوعية الراديكالية في تايلند ومالايا والفلبين. أما في الشرق الأوسط، فلقد أُطيح نظام محمد مصدق في إيران، لكن الكفاح من أجل التحرر من الاستعمار بقي مستمراً، لا سيما في الجزائر التي بدأ شعبها حرب عصابات ضد فرنسا. في عام 1955، جرى توقيع اتفاقية في بغداد بين العراق وتركيا، تحولت لاحقاً بانضمام بريطانيا وإيران وباكستان إليها، إلى كتلة عسكرية سُميت «حلف بغداد» أو «المعاهدة المركزية (CENTO)»، وكانت تهدف، مثل كتلة أخرى أُنشئت في العام نفسه هي «سياتو (SEATO)» أو «حلف جنوب شرقي آسيا»، إلى وقف نفوذ الاتحاد السوفياتي والشيوعية.
بالكاد أغلب الدول التي لم تنضم إلى تلك الكتل واجهت خياراً صعباً؛ إما الانضمام إلى إحداها وإما التكتل على منصة محايدة، أُنشئت خصيصاً، من شأنها أن تسمح لتلك الدول عن طريق التضامن بتجنب الانجرار إلى مواجهة خطيرة غريبة عن مصالحها. نوقشت هذه الأفكار في مؤتمر عقد بمدينة باندونغ في إندونيسيا في أبريل ومايو من عام 1955، والذي جمع بشكل رئيسي «أولئك الذين لا يريدون الاختيار». وجرت خلال هذا المؤتمر الموافقة على المبادئ الخمسة المعترف بها على نطاق واسع للتعايش السلمي بين الدول (بانش شيلا)، وأُعلن خلاله أيضاً عن الدعوات لإنهاء الاستعمار، والحياد في السياسة الخارجية وعدم الانحياز مع الكتل العسكرية المتجابهة. كل هذا شكل أساساً لإنشاء «حركة عدم الانحياز» لاحقاً في عام 1961.
دعونا نُلقِ نظرةً مركزةً على الشرق الأوسط في تلك الفترة. كان توزع القوى هنا معقداً للغاية، ولم تكن «لعبة المجموع الصفري» ضرورية بعد. في وقت لاحق فقط، أصبح، ولبعض الوقت، الصراع العربي - الإسرائيلي الأساسي بالنسبة للمنطقة، مثالاً كلاسيكياً على المواجهة بين القوى المدعومة من الغرب من جهة؛ ومن قبل الاتحاد السوفياتي وحلفائه من جهة أخرى. الرئيس الأميركي الجمهوري آيزنهاور اتخذ موقفاً حذراً للغاية تجاه إسرائيل، أما الحكومة الاشتراكية الفرنسية فقد قدمت لها المساعدة العسكرية. تصرفات الفرنسيين في الجزائر لم تثرْ تعاطف الحلفاء الأميركيين معهم. أحد داعمي فكرة «عدم الانحياز» كان الرئيس جمال عبد الناصر لم يكتف بالمشاركة في مؤتمر باندونغ خلافاً لنصائح الأميركيين، بل رفض في العام نفسه أيضاً الانضمام إلى «حلف بغداد» الذي أُنشئ بمبادرة من لندن. رغم الوعد الممنوح للبريطانيين؛ فإنَّ الملك حسين هو كذلك رفض الانضمام إلى الحلف، حيث رأى الغرب أن وراء ذلك أيضاً «مؤامرة» من قبل عبد الناصر، رغم أنه في الواقع كانت وراء ذلك حسابات للملك الأردني نفسه. عزا السياسيون الغربيون إقالة الجنرال جون غلوب (غلوب باشا) من منصب قائد الجيش العربي إلى التأثير السري لجمال عبد الناصر، مع أن هذا في الواقع مبالغ فيه للغاية. بالطبع في موسكو كانوا يراهنون على جمال عبد الناصر، على أمل جذبه إلى جانبهم، بينما لم ينسوا في الوقت نفسه القمع الذي مارسه ضد الشيوعيين المحليين.
ولكن بعد ذلك ظهرت فرصة ملائمة. فكما هو معروف، تعاطف مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية ألان دالاس مع جمال عبد الناصر، انطلاقاً من حقيقة أن المستقبل لقوميين مثله، لكن دالاس لم يكن قادراً على التأثير في قرار حرمان الزعيم المصري من توريد الأسلحة الأميركية. حينها وفي العام نفسه 1955، عقدت أول صفقة لشراء أسلحة سوفياتية من قِبل عبد الناصر، والتي أضرت بشدة بسمعته في الغرب. حتى إن ضباط وكالة المخابرات المركزية، الذين كانوا قناة الاتصال الرئيسية بين الولايات المتحدة والزعيم المصري، نصحوه بأن يصرح علناً بأن الأسلحة لم يتم تسلمها من الاتحاد السوفياتي، وإنما من تشيكوسلوفاكيا التي رغم أنها عضو في الكتلة الشرقية، فإنها لا تزال غير مخيفة. وهنا جاء، إضافة إلى كل هذا، «مؤتمر باندونغ»!
موسكو كانت مقتنعة بأن المعلومات المتعلقة بإعداد الأجهزة البريطانية الخاصة خطة تهدف إلى القضاء على عبد الناصر في هذه الظروف كانت شبه حقيقية. من غير المعروف ما إذا كان عبد الناصر نفسه قد أبلغ موسكو بهذا الأمر، لكنه شخصياً كان متأكداً من ذلك؛ إذ إن نائب رئيس المخابرات الجوية المصرية، الذي يُزعم أنه قام بتجنيده واضعو الخطة، الذين اعتمدوا عليه، تصرف كما اتضح لاحقاً، بناءً على تعليمات من عبد الناصر. كان الأمر يتَّجه نحو أزمة السويس عام 1956 ونحو مزيد من التقارب بين مصر والاتحاد السوفياتي، الذي وافق بعد فترة وجيزة على ملاقاته ومساعدة مصر في بناء سد أسوان.
أين الدول المؤسسة للحركة اليوم، التي دخلت هذا العام منذ مؤتمر باندونغ سن «المخاطر العالية» - كما اعتدنا أن نقول اليوم - «65 بلس»؟ ما الدروس التي يمكن أن نستقيها من تجربتهم؟ وبشكل عام؛ ما الذي تغير في العالم؟
بالتأكيد لقد أصبح العالم أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انهيار الاتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي بأكمله، وبات متعدد الأقطاب (أو من دون أقطاب، كما يعتقد بعض المحللين)، وأصبح توزع القوى أكثر إرباكاً مما كان عليه قبل 65 عاماً، رغم أنه لا يزال كثير من التحديات القديمة لنظام عالمي مستقر قائمة في يومنا هذا. لقد استطاعت «حركة عدم الانحياز»، التي توحد أكثر من 120 دولة، الحفاظ على نفسها. كما أنها تغيرت بمرونة وتكيفت مع الواقع الجديد للعالم الحديث، حيث يبدو أنه لم تعد هناك قطبية ثنائية ومجابهات للكتل العسكرية السياسية، رغم بقاء كتلة «الناتو». الصعود السريع للصين في السنوات الأخيرة يؤثر بقوة على تطور النظام العالمي وجدول أعمال المجتمع غير المتجانس والمتناقض الذي يقف اليوم تحت راية «عدم الانحياز».
تظهر الحركة قدرتها على الاستجابة بسرعة للتحديات الجديدة. على سبيل المثال، بناءً على مبادرة من رئيس الحركة، الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في 4 مايو 2020، بدأت مجموعة الاتصال الخاصة بالقمة العمل عبر الفيديو حول موضوع: «نحن معاً ضد COVID - 19».
لكن هل يشكل جميع قادة دول «عدم الانحياز»، من خلال سياساتهم الخاصة، أمثلة على التزام المبادئ ذاتها التي شكلت أساس عقيدة «عدم الانحياز»؟ أخشى أن مثالهم في هذا الصدد ليس دائماً مشجعاً. على سبيل المثال؛ هل تحترم جميع الدول الأعضاء في الحركة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى؟ هل يضمن الجميع المساواة بين الأعراق والأمم والطوائف؟ إن التمييز ضد المسلمين في عدد من الدول من ناحية؛ وآيديولوجية الإرهابيين في كراهية الآخر، المشوهة للمبادئ الإنسانية للإسلام، من ناحية أخرى، من الأمثلة المحزنة على عكس ذلك. هل الجميع مستعد للتخلي عن استخدام القوة رغم أنها تبدو أحياناً ضرورية وحتمية؟ في الآونة الأخيرة، كانت هناك حاجة إلى جهود دبلوماسية جبارة للوسطاء والإرادة السياسية لأطراف النزاع أنفسهم لوقف الاشتباك المسلح بين أرمينيا وأذربيجان، والذي أودى بحياة عدة آلاف من الأشخاص.
جيل «65 بلس» في ظروف الجائحة ضمن سن الخطر. وربما هذا ينطبق أيضاً على «حركة عدم الانحياز».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة