د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

إحياء «الكُتبخانة»

استمع إلى المقالة

وافق مجلس الوزراء المصري مؤخراً على إحياء مكتبة الأزهر الشريف، إحدى أعرق مكتبات الوطن العربي، والتي كانت تسمى «الكُتبخانة». المكتبة التي يناهز عمرها ألف عام ستتبع رئاسة الجمهورية، وسيصبح في مقدورها إنشاء فروع لها في محافظات البلاد، وهي تجربة توسعية غير مسبوقة.

«الكُتبخانة الأزهرية» التي أُنشئت بتوصية من الإمام محمد عبده، مفتي الديار المصرية آنذاك، سوف تصبح مركز إشعاع ثقافي يُذكِّرنا بضرورة إعادة إحياء المكتبات العامة في عالمنا العربي.

لكن السؤال الأهم: كيف نجعل المكتبة جاذبة في زمن الشاشة؟

المكتبة منارةٌ للمعرفة وتعزيزٌ لـ«مهارة القراءة» التي تعد أساس التعلم المستمر. غير أن القراءة لم تعد مجرد صفحات صامتة، فيمكن أن تتحول المكتبة إلى فضاء تفاعلي يضم أركاناً معرفية في الطب والهندسة والاقتصاد والفنون والرياضة، والمعلومات العامة تُعرض عبر شاشات جدارية أنيقة؛ معلومات مقتضبة ومنتقاة بعناية تشد القارئ إلى الاستزادة. يلمس الزائر الشاشة، فتقوده إلى مستوى أعمق، ثم إلى كتاب موثوق، ثم إلى إصدار حديث. هنا نُعلّق الزائر بالنص، لا بالصورة وحدها.

وأتخيل أحياناً مكتبة تعرض التاريخ بطريقة تفاعلية ممتعة عبر خط زمني يحركه المرء بيده، فتتغير خريطة العالم أمامه. يعود إلى معركة القادسية، أو إلى معركة واترلو، أو إلى لحظة انطلاق الثورة الصناعية في بريطانيا، ويضغط على الصين أو الهند أو الدولة العثمانية ليقرأ كيف كان حالها في تلك اللحظة. ويمر بالعصور الوسطى، والأندلس في أوج تألقها ليرى كيف تغيرت موازين القوة والعلم والاقتصاد والفنون، ومَن تقدَّم ومَن تأخَّر.

ويمكن مثلاً أن نحدد للشاشة عرض محور واحد فقط في التعليم، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو سيَر الأعلام، ليحصل الزائر على معرفة مركّزة بلا تشتيت. هكذا يغادر بحصيلة ثرية وتجربة شائقة، حتى ولو كان مجرد مرافق ينتظر ابنه. باختصار، يُفترض أن كل ركن في المكتبة يشدك إليه بطريقة إبداعية في عرض المعرفة.

وحتى تظل المكتبة حيّة، لا بد من تحديث مستمر، وتصميم غرافيكي جذاب لكل الأعمار، مع إمكان تبسيط المحتوى عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي حسب الفئة العمرية للقارئ. ويمكن أن تضم المكتبات العصرية مساحات حوارية، وورش كتابة، ومختبرات ابتكار، وأندية قراءة، ومقاهي ثقافية هادئة، لا لتُستبدل بالكتاب، بل لتعيد تقديمه. أما الإفراط في الفيديو، فأراه يسلب المكتبة خصوصيتها، لأنها بيت النص قبل كل شيء. فالتقنية ينبغي أن تخدم الكتاب لا أن تزيحه عن مركزه.

وحسب تقرير الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات لعام 2024، فإن مكتبة المستقبل لن تكون مبنى يحفظ الكتب، بل ستكون مركزاً معرفياً حيوياً يجمع بين التعلم والابتكار والخدمة المجتمعية. ولن يصبح أمين المكتبة صاحب مهنة روتينية، بل سيصبح مرشداً رقمياً يعِين الزائرين على التحقق من المعلومات، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل معها.

لا أظن أن الجيل الجديد يهرب من القراءة، بقدر ما يبحث عن تجربة مختلفة. وما قرار إحياء «الكُتبخانة» إلا رسالة رمزية مفادها أن المعرفة لا تموت إذا وُجِد من يُعيد إحياءها بحُلَّة إبداعية جديدة.