في فبراير (شباط) 2026 عمَّت شوارع كندا احتجاجات واسعة بسبب سياسة الهجرة الجديدة؛ حيث تشهد كندا تحوّلاً ديموغرافياً بعد أن سجّلت انخفاضاً تاريخياً في عدد السكان لم تشهده من قبل منذ عام 1945، وفقاً لوكالة الإحصاء الوطنية، وبالتالي في عدد العاملين والقوى العاملة في البلاد.
يعود هذا التراجع إلى تشديد غير مسبوق في سياسة الهجرة الجديدة التي اعتمدتها حكومة أوتاوا، بعد سنوات من الانفتاح في عهد رئيس الوزراء السابق، الليبرالي جاستن ترودو (2015- 2025) مما أدّى إلى انخفاض حادّ في أعداد الطلاب الدوليين والعمال المؤقتين الأجانب. هذا وبرّرت السلطات بأن هذه الخطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على سوق الإسكان والخدمات العامة والبنية التحتية لكندا.
وقد استقبلت كندا في السنوات الأخيرة من عهد ترودو 450 ألف وافد سنوياً؛ حيث ركّزت الحكومة على الهجرة الاقتصادية، مع برامج الدخول السريع (Express Entry)، وتأشيرة التأشيرات الناشئة (Start Up Visa) والترشّح الإقليمي (PNP) لسدّ النقص في سوق العمل المحلية، مما يؤدّي إلى إقامة دائمة.
تتّجه خطة مستويات الهجرة الكندية لعامي 2025- 2027 (والممتدة لعام 2028)، نحو تخفيض أعداد المقيمين الدائمين والمؤقتين، لتخفيف الضغط على البنية التحية والسكن، مع التركيز على الهجرة الاقتصادية، واستهداف 395 ألف مقيم دائم عام 2025، و380 ألفاً في عام 2026، و365 ألفاً في عام 2027.
أما بالنسبة للسياسة الجديدة للهجرة، فتلتزم الحكومة بخفض عدد السكان المقيمين مؤقتاً في كندا إلى أقل من 5 في المائة من إجمالي السكان، بحلول نهاية 2027، من أجل دعم العودة إلى مستويات هجرة مستدامة، وقد حُدّدت أهداف استقبال المهاجرين الجدد عند 385 ألفاً في عام 2026، و370 ألفاً في عامي 2027 و2028.
وتُعتبر كندا من بين الدول التي تختص بأعلى معدلات هجرة للفرد في العالم، وهي الأعلى بين مجموعة السبع في مواجهة شيخوخة السكان ونقص اليد العاملة؛ حيث تواجه مؤخراً تحدّيات تتعلق بأزمة السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع معدّلات الهجرة العكسية (المغادرة) في 2024- 2025، بالإضافة إلى المهاجرين الدائمين، أضف إلى ذلك أن كندا تستقبل أعداداً كبيرة من الطلاب الدوليين والمقيمين المؤقتين سنوياً.
سياسة الهجرة الجديدة التي تبنّاها ترودو في السنوات الخمس الأخيرة، والتي استمر فيها واتبعها خلفه رئيس الوزراء الحالي مارك كارني، بتجميد استقبال المهاجرين الجدد، خلُصت إلى أن نحو 58 في المائة من الكنديين يجدون أن الهجرة إلى بلدهم كبيرة جداً حالياً، وقد استقبل هذا البلد أكثر من مليون و270 ألف شخص جديد، لتلبية النقص في اليد العاملة، وهو رقم غير مسبوق منذ عام 1957، لذا فإن الشعب الكندي يلقي اللوم على الحكومة الليبرالية التي فضّلت إرضاء الشعب بتضييق الخناق على المهاجرين بشكل ملحوظ، فألغت قوانين ووضعت قوانين أخرى بالانتظار، مما حوّل كندا، البلد المضياف للمهاجرين إلى بلد لا ثقة فيه؛ إذ يقوم بإيقاف عدة برامج للهجرة بشكل مفاجئ أحياناً. وبهذا، فإن الحكومة لم تُرضِ الشعب، ولم تُرضِ المهاجرين في آن واحد.
الشعب الكندي متألم ومأزوم اقتصادياً ومالياً، بعد أن أخذت أوضاعه الاقتصادية والمالية تسوء أكثر فأكثر، بخاصة مع اكتشاف أوراق غير نظامية وملفات تُظهر أن أعداداً كبيرة من المهاجرين دخلت كندا عن طريق التزوير أو الخداع. ولكن الحكومة الليبرالية ما زالت تستجلب بضعة آلاف من المهاجرين من الخارج، بسبب حاجتها الماسّة إلى عمال، بخاصة إذا كانوا عمالاً مهرة ومتخصّصين.
إن التشديد في تطبيق سياسة الهجرة الجديدة في الأشهر الأخيرة، ساهم في سيطرة الحكومة على ملف الهجرة بعد انخفاض اللجوء بمقدار الثلث، وتراجع عدد العمال المؤقتين الجديد بأكثر من 70 في المائة هذا العام. كما أن خطة الهجرة الجديدة لدى أوتاوا تدعو إلى قبول 385 ألف مهاجر هذا العام، أي أقل بنسبة نحو 43 في المائة من العام المنصرم.
في السياق، نجم عن هذه السياسة الجديدة نتائج سلبية سببت أضراراً جسيمة للشركات، وأكثر من 23 شركة خاصة في مقاطعة كيبك الفرنسية قامت برفع دعاوى على الحكومة الكندية بسبب قانون العمال المؤقتين، وخسرت ما يتجاوز 300 مليون دولار. وهناك تقارير تصرّح بأكثر من 400 مليون دولار. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الشركات في بريتش كولومبيا يصرّون على أن هذه القوانين للعمال المؤقتين والعمالة المؤقتة سببت أضراراً جسيمة للشركات، ووضعت الحكومة في مأزق كبير بين حلّين: إما إلغاء القوانين وامتصاص الغضب الشعبي، وإما السماح للمهاجرين بالدخول إلى كندا. والمفارقة أن الحكومة كسبت الغضب الشعبي؛ لكنها خسرت وأضرّت بالشركات.
فإلى أين تتّجه أزمة الهجرة؟ وما هو الحل؟ هل يكون بإعادة فتح ملفات وبرامج المهاجرين لتأتي بهم إلى كندا ثانية؟! وإلى ماذا سيؤول الموقف الذي سيتخذه الشعب الكندي تجاه المهاجرين واللاجئين؟!
