أهل اليمين وأصحاب الشمال

أهل اليمين وأصحاب الشمال

الاثنين - 30 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 16 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15329]

مفتاح حكمي على رئاسة ترمب يتعلق بما يجري في دوائري، مصر، الشرق الأوسط، وما يؤثر عليهما، بالإضافة إلى دائرتي المهنية، وهي العمل الإعلامي.
تحقيق سلام دافئ بين إسرائيل والإمارات، ثم البحرين والسودان، إنجاز لم يتحقق على يد أي رئيس سابق.
الأهم من تحقيق الإنجاز ما انبنى السلام عليه. إدراك أطراف العملية السياسية للحقائق على الأرض، وأن عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم دون غيرهم. فترة أوباما، واتفاقه النووي مع إيران، وتنسيقه مع تركيا وعناصرها المحلية الداعمة، لا بد أوضحت لأهل منطقتنا أن ذلك - الاعتماد على النفس - هو الخيار الوحيد.
شكراً للرئيس ترمب.
لقد أوضحت فارقاً جوهرياً بين أهل اليمين في السياسة، وبين أصحاب الشمال. الأوائل ترتكز فلسفتهم على حرية الفرد وعلى مسؤوليته عن أفعاله. لن يلقنوه ما الصح وما الخطأ. لكنهم سيتركونه يكسب إن أبدع، وسيتركونه يتحمل نتيجة فعله إن أساء.
أما اليسار، فالحرية عنده ما تقرر نخبته أنه «فعل حرية». أمامك مفرق طرق، سيقولون لك إن المخرج الأول هو الصواب، والمخرج الثاني عبودية أو مداهنة أو رجعية أو «سكسيسزم» أو «ميسوغوني» (كراهية المرأة) أو غير ذلك من الألفاظ التي توحي بالثقافة والإلمام بالتعريفات وبأركان الإيمان الحداثي. شيء واحد لا يعجز اليسار العالمي عن إنتاجه - الكلام.
الصوابية السياسية منتج يساري بامتياز. ثقافة الإلغاء منتج يساري بامتياز. رأيناه بعد ما كبر وشب على عوده وصارت العين لا تخطئه، لكن جنينه وبذرته العقلية التلقينية القادمة من الأكاديميا، الدائرة الثانية التي يسيطر عليها اليسار. في دائرتي المهنية تحولت اختيارات اليسار من رأي إلى أحكام دينية، خلقت نوعاً من «الأكتيفزم» الإعلامي المزعج، لم يقتل الإعلام المؤسسي في دول ديمقراطية ويفقده ثقة الناس فيه، بل قتل الإبداع السياسي، وفي طريقه لقتل الإبداع الفني، كما قتل التفكير النقدي.
هنا أيضاً شكراً للرئيس ترمب.
لقد كشف الإعلام المؤسسي نفسه كجماعة فئوية تحاضرنا عن الحياد والنزاهة، وتحاصرنا عن مد أعيننا إلى رؤية الواقع، لكنها مستعدة بكل بساطة أن تتجنب كليهما. ما رأيت طوال فترة متابعتي السياسية رئيساً عومل من اليوم الأول في مكتبه البيضاوي كما عومل دونالد ترمب. لقد صار الإعلام شريكاً في السلطة، طرفاً في الملعب، وليس مراقباً للمباراة.
في نهاية السنوات الأربع الأولى لإدارة أوباما وبايدن، صارت مصر في وضع سيئ، ميليشيات متطرفيها أقرب إلى حكمها، وليبيا تحت سيطرة الميليشيات، وميليشيات سوريا تتقاتل، وميليشيا «داعش» تعلن عن نفسها وتحتل مساحات واسعة من العراق وسوريا، واليمن منقسم بفعل ميليشيات. وعلى نهاية الولاية الثانية كان في يد إيران مكافأة على سلوكها الميليشياوي خلال أكثر من ثلاثة عقود.
السنوات الأربع التي قضاها ترمب في الحكم أظهرت لنا أنه كان بإمكان الولايات المتحدة أن تتصرف سياسياً بطريقة مختلفة تماماً، وأكثر أخلاقية في كثير من الأحيان. إذ ما الأخلاقي في العالم أكثر من الحفاظ على الحياة، ومن ردع المعتدي، ومن البصيرة التي تجعلك لا تنخدع بادعاءات مشغلي المتطرفين، وتصدقها، وتبني عليها سياساتك. ما الأخلاقي في الاستهانة بمخاوف حلفائك الذين في مرمى هجمات إيران. ما الأخلاقي في التغاضي عن سلوك إيران التوسعي ورفع العقوبات الاقتصادية عنها لكي تزيد منه.
باختصار ما الحكمة في العبوس في وجه الجميع، والابتسام فقط في وجه القوتين الإقليميتين التوسعيتين!
ولاية ترمب أوقفت الصورة لمدة أربع سنوات. أربع سنوات بلا حروب، وإدارة مختلفة قادرة على دفع الخصوم إلى نقطة توتر قصوى، تكشف عن نواياهم وعن حجم قدراتهم الحقيقية. صارت إيران في موقف الدفاع. صارت الخروقات التجارية الصينية في بؤرة الضوء. وصار سلوك إردوغان التوسعي مرئياً حتى لحلفائه في الناتو.
لقد رأيت في ولاية ترمب العالم كما لم أره من قبل. العالم الذي حجبته عني مؤسسات الإعلام المؤسسي في الدول الديمقراطية الكبرى.
ولا يمكنك - لإدراك تلك الفكرة - إلا أن تجمع المشاهد الثلاثة السابقة. سيقول لك الإعلام إن الربيع العربي عملية تلقائية، وستكتشف أنها لم تكن. سيقول لك إن إيران لا يمكن التعامل معها إلا بالاتفاق النووي، وإن محاولة مواجهتها بجرائمها سيفتح أبواب الجحيم. وستكتشف أن لا. سيقول الديمقراط إن الديمقراط رجال السلام في الشرق الأوسط، وستكتشف أن هذا خدعة أخرى.
شكراً للرئيس ترمب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة